" نهى عن صيام يومين: يوم الفطر ويوم الأضحى ".
وقد يقول قائل: ولكن الصيام في رمضان يختلف عن الصوم في أيام أخر لأن رمضان هو الشهر الذي أنزل فيه القرآن. وأقول: إن الصوم هو الذي يتشرف بمجيئه في شهر القرآن، ثم إن الذي أنزل القرآن وفرض الصوم في رمضان هو سبحانه الذي وهب الترخيص بالفطر للمريض أو المسافر ونقله إلى أيام أخر في غير رمضان، وسبحانه لا يعجز عن أن يهب الأيام الأخر نفسها التجليات الصفائية التي يهبها للعبد الصائم في رمضان. إن الحق سبحانه حين شرع الصوم في رمضان إنما أراد أن يشيع الزمن الضيق - زمن رمضان - في الزمن المتسع وهو مدار العام. ونحن نصوم رمضان في الصيف ونصومه في الشتاء وفي الخريف والربيع، إذن فرمضان يمر على كل العام. ويقول الحق: ﴿ وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ﴾ [البقرة: 185] والطوق هو القدرة، فيطيقونه أي يدخل في قدرتهم وفي قولهم، والفدية هي إطعام مسكين. ويتساءل الإنسان: كيف يطيق الإنسان الصوم ثم يؤذن له بالفطر مقابل فدية هي إطعام مسكين؟ وأقول: إن هذه الآية دلت على أن فريضة الصوم قد جاءت بتدرج، كما تدرج الحق في قضية الميراث، فجعل الأمر بالوصية، وبعد ذلك نقلها إلى الثابت بالتوريث كذلك أراد الله أن يخرج أمة محمد صلى الله عليه وسلم من دائرة أنهم لا يصومون إلى أن يصوموا صياما يخيرهم فيه لأنهم كانوا لا يصومون ثم جاء الأمر بعد ذلك بصيام لا خيار فيه، فكأن الصوم قد فرض أولا باختيار، وبعد أن اعتاد المسلمون وألفوا الصوم جاء القول الحق: ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ [البقرة: 185] وفي هذه الآية لم يذكر الحق الفدية أو غيرها.
إذن كانت فرضية الصوم أولا اختيارية بقوله الحق: ﴿ وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ﴾ [البقرة: 184]، ثم جاء القرار الارتقائي، فصار الصوم فريضة محددة المدة وهي شهر رمضان ﴿ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ [البقرة: 185] وبذلك انتهت مسألة الفدية بالنسبة لمن يطيق الصوم، أما الذي لا يطيق أصلا بأن يكون مريضا أو شيخا، فإن قال الأطباء المسلمون: إن هذا مرض " لا يرجى شفاؤه " نقول له: أنت لن تصوم أياما أخر وعليك أن تفدي. لقد جاء تشريع الصوم تدريجيا ككثير من التشريعات التي تتعلق بنقل المكلفين من إلف العادات، كالخمر مثلا والميسر والميراث، وهذه أمور أراد الله أن يتدرج فيها. ويقول قائل: ما دام فرض الصيام كان اختياريا فلماذا قال الحق بعد الحديث عن الفدية ﴿ فمن تطوع خيرا فهو خير له ﴾ [البقرة: 184]؟ وأقول: عندما كان الصوم اختياريا كان لابد أيضا من فتح باب الخير والاجتهاد فيه، فمن صام وأطعم مسكينا فهذا أمر مقبول منه، ومن صام وأطعم مسكينين، فذاك أمر أكثر قبولا. ومن يدخل مع الله من غير حساب يؤتيه الله من غير حساب، ومن يدخل على الله بحساب، يعطيه الحق بحساب، وقول الحق: ﴿ وأن تصوموا خير لكم ﴾ [البقرة: 184] هو خطوة في الطريق لتأكيد فرضية الصيام، وقد تأكد ذلك الفرض بقوله الحق: ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ ولم يأت في هذه الآية بقوله: ﴿ وأن تصوموا خير لكم ﴾ [البقرة: 184] لأن المسألة قد انتقلت من الاختيار إلى الفرض. إذن فالصيام هو منهج لتربية الإنسان، وكان موجودا قبل أن يبعث الحق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم دخل الصوم على المسلمين اختياريا في البداية، ثم فريضة من بعد ذلك. وقد شرع الله الصوم في الإسلام بداية بأيام معدودة ثم شرح لنا الأيام المعدودة بشهر رمضان. والذي يطمئن إليه خاطري أن الله بدأ مشروعية الصوم بالأيام المعدودة، ثلاثة أيام من كل شهر وهو اليوم العاشر والعشرون، والثلاثون من أيام الشهر، وكانت تلك هي الأيام المعدودة التي شرع الله فيها أن تصوم وكان الإنسان مخيرا في تلك الأيام المعدودة: إن كان مطيقا للصوم أن يصوم أو أن يفتدي، أما حين شرع الله الصوم في رمضان فقد أصبح الصوم فريضة تعبدية وركنا من أركان الإسلام، وبعد ذلك جاءنا الاستثناء للمريض والمسافر.