إن الحق سبحانه وتعالى يواجه بذلك التشريع في القصاص قضية كانت قائمة بين القبائل، حيث كان هناك قتل للانتقام والثأر. ففي الزمن الجاهلي كانت إذا نشأت معركة بين قبيلتين، فمن الطبيعي أن يوجد قتلى وضحايا لهذا الاقتتال، فإذا قتل عبد من قبيلة أصرت القبيلة التي تملك هذا العبد أن تصعد الثأر فتأخذ به حرا، وكذلك إذا قتلت في تلك الحرب أنثى، فإن قبيلتها تصعد الثأر فتأخذ بها ذكرا. والحق سبحانه وتعالى أراد أن يحسم قضية الثأر حسما تدريجيا، لذلك جاء بهذا الأمر ﴿ الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ﴾ [البقرة: 178]. إذن، فالحق هنا يواجه قضية تصعيدية في الأخذ بالثأر، ويضع منهجا يحسم هذه المغالاة في الثأر. وفي صعيد مصر، مازلنا نعاني من الغفلة في تطبيق شريعة الله، فحين يقتل رجل من قوم فهم لا يثأرون من القاتل، وإنما يذهبون إلى أكبر رأس في عائلة القاتل ليقتلوه. فالذين يأخذون الثأر يريدون النكاية الأشد، وقد يجعلون فداء المقتول عشرة من العائلة الأخرى، وقد يمثلون بجثثهم ليتشفوا، وكل ذلك غير ملائم للقصاص. وفي أيام الجاهلية كانوا يغالون في الثأر، والحق سبحانه وتعالى يبلغ البشرية جمعاء بأن هذه المغالاة في الثأر تجعل نيران العداوة لا تخمد أبدا. لذلك، فالحق يرد أمر الثأر إلى حده الأدنى، فإذا قتلت قبيلة عبدا فلا يصح أن تصعد القبيلة الأخرى الأمر فتأخذ بالعبد حرا. إذن، فالحق يشرع أمرا يخص تلك الحروب الجماعية القديمة، وما كان يحدث فيها من قتل جماعي، وما ينتج عنها بعد ذلك من مغالاة في الثأر، وهذا هو التشريع التدريجي، وقضى سبحانه أن يرد أمر الثأر إلى الحد الأدنى منه، فإذا قتلت قبيلة عبدا فلا يصح أن تصعد القبيلة الأخرى الثأر بأن تقتل حرا. والحق يشرع بعد ذلك أن القاتل في الأحوال العادية يتم القصاص منه بالقتل له أو بالدية. فقد جاءت آية أخرى يقول فيها الحق:
وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الظالمون
[المائدة: 45].
وهكذا يصبح القصاص في قتل النفس يتم بنفس أخرى، فلا تفرقة بين العبد أو الحر أو الأنثى، بل مطلق نفس بمطلق نفس. وهاهو ذا الحق سبحانه وتعالى يواجه بتقنين تشريع القصاص قضية يريد أن يميت فيها لدد الثأر وحنق الحقد. فساعة تسمع كلمة قصاص وقتل، فمعنى ذلك أن النفس مشحونة بالبغضاء والكراهية، ويريد أن يصفي الضغن والحقد الثأري من نفوس المؤمنين. إن الحق جل وعلا يعطي لولي الدم الحق في أن يقتل أو أن يعفو، وحين يعطي الله لولي الدم الحق في أن يقتل، فإن أمر حياة القاتل يصبح بيد ولي الدم، فإن عفا ولي الدم لا يكون العفو بتقنين، وإنما بسماحة نفس، وهكذا يمتص الحق الغضب والغيظ. وبعد ذلك يرقق الله قلب ولي الدم فيقول: ﴿ فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأدآء إليه بإحسان ﴾ [البقرة: 178]. وإذا تأملنا قوله: ﴿ فمن عفي له من أخيه ﴾ [البقرة: 178] فلنلاحظ النقلة من غليان الدم إلى العفو. ثم المبالغة في التحنن، كأنه يقول: لا تنس الأخوة الإيمانية ﴿ فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف ﴾ [البقرة: 178]. وساعة يقول الحق كلمة " أخ " فانظر هل هذا الأخ اشترك في الأب؟ مثل قوله تعالى:
وجآء إخوة يوسف
[يوسف: 58]. ثم يرتقي بالنسب الإيماني إلى مرتبة الأخوة الإيمانية، فيقول:
إنما المؤمنون إخوة
[الحجرات: 10] يعني إياكم أن تجعلوا التقاء النسب المادي دون التقائكم في القيم العقائدية. والأصل في الأخ أن يشترك في الأب مثل:
وجآء إخوة يوسف
[يوسف: 58]، فإن كانوا إخوة من غير الأب يسمهم إخوانا، فإن ارتقوا في الإيمان يسمهم إخوة. وعندما وصفهم بأنهم إخوان قال: