تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولذلك يقول الشاعر:

لما تؤذن الدنيا به من صروفها

يكون بكاء الطفل ساعة يولد

كأن الوليد يقبل على شيء فيه نكد، ولا يلتفت إلى ما في اتساع الدنيا ورغد العيش فيها. وإلا فما يبكيه وإنها لأوسع ما كان فيه وأرغد؟. فكأن صرخة الوليد هي صرخة الانتقال من رحم الأم إلى مواجهة الحياة. كانت حياة الطفل في بطن أمه رتيبة وغذاؤه من الحبل السري، لكنه ساعة ينفصل عن أمه تنقطع صلته بجهاز تحضير الغذاء في رحم الأم، وفقد المدد الغذائي في لحظة خروجه من بطن أمه ولم يأته مدد الرضاعة بعد فالرضاعة من مدد الدنيا، ولا يأخذها الطفل إلا إذا أخذ أقل نسبة من الهواء ليدير الرئة، ولذلك يحرص الأطباء في أن ينزل الوليد من جهة رأسه دائما، لأنه لو نزل من ناحية رجليه ورأسه ما زال بالداخل، فإن أنفاسه تكون محبوسة في بطن أمه، ويكاد يموت، ولذلك يكشفون الآن على الأم ليعرفوا وضع الجنين، ويقوم الطبيب بإجراء الجراحة القيصرية حرصا على حياة الوليد، وأول شيء يقوم به الطبيب بعد ميلاد الطفل هو أن يسلك منافذ الهواء إلى أنفه، وبعد ذلك يعالج بقية الأعضاء. إنها صرخة الغريزة، تماما مثل ما تسهو أمه عنه وجاء موعد رضعته فهو يصرخ وهكذا نعرف أن الإهلال هو رفع الصوت، وقوله الحق: ﴿ ومآ أهل به لغير الله ﴾ [البقرة: 173] يعني هو رفع الصوت لحظة الذبح، والذبح نوعان: ذبح لنفعك لتأكل ويأكل غيرك، وذبح قربى لله. وما أهل به لله، هو ذبح قربى لله، أما ﴿ ومآ أهل به لغير الله ﴾ [البقرة: 173] فهو الذبح لمنفعة الإنسان فقط، وتقربا إلى أصنامهم وأوثانهم وما يعبدونه من دون الله. وما دام الله هو الذي أعطى الحيوانات وسخرها لنا من أجل أن نأكلها فعلينا أن نذكر المنعم، وأن تكون القربى لله وحده هي القصد الأول. ولذلك فالمؤمنون يتقربون ويأكلون، أما الكفار فيأكلون ولا يتقربون لله وإنما يذبحون ويتقربون إلى آلهتهم. والحق سبحانه وتعالى حينما شرع، فتشريعه يضع الاحتمالات، وليس كالمشرعين من البشر الذين تضطرهم أحداث الحياة بعد التشريع إلى أن يغيروا ما شرعوا لأنه حدثت أقضية بعد تطبيق التشريع لم تكن في بالهم ساعة شرعوا، وذلك لقصور علمهم عما يحدث في الكون من القضايا التي تضطرهم وتلجئهم إلى أن يعدلوا القانون.

فتعديل أي قانون بشري معناه حدوث أقضية لا يوجد لها تكييف في القانون عند التطبيق فيلجأ المشرعون إلى تعديل القانون، ليضعوا فيه ما يتسع لهذه الأقضية. ولكن الحق سبحانه وتعالى ساعة قنن.. فهو يقنن تقنينا يحمل في طياته كل ما يمكن أن يستجد من أقضية دون حاجة إلى تعديل، ولأن الإسلام جاء منهاجا خاتما ولا منهج للسماء بعده، لذلك كان متضمنا كافة الاحتمالات. لقد كان من المعقول تعديل التقنينات عندما كانت الرسل تتوالى، لكن عندما ختم الله رسالات السماء بمحمد صلى الله عليه وسلم، كان لابد أن تكون التشريعات التي أنزلها الله على رسوله تحمل في ذاتها ضمانات تكفل ذلك. إذن، فالضرورات التي اقتضت المشرع الوضعي أن يعدل قانونا غفل عن جزئياته ساعة وضعه الأول، مثل هذه الأمور لا توجد في تشريعات السماء، لأن الله يعلم الأقضية التي تجئ. وهب أن الضرورة التي تستلزم التعديل لم تكن موجودة، وبعد ذلك جدت ضرورات، أكان الحق يميت خلقه لأنه قال: لا تأكلوا الميتة؟ عندئذ كنا سنقول: ما هذه الحكاية؟ صحيح الميتة ستضر، وإنما المخمصة والمجاعة ستميت، فلماذا لا نتحمل أكل ما يضر بدلا من أن نمتنع عن الأكل فنموت من الجوع؟ إذن فهي عدالة الحق التي قالت: ﴿ فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه ﴾ [البقرة: 173] فالاضطرار له شرط هو: " غير باغ ولا عاد ". وغير باغ يعني غير متجاوز الحد، فيأخذ على قدر حاجته الضرورية، مثلا، لا يقول: إن الله أحل الميتة لمثل ما أنا عليه من الاضطرار ويملأ بطنه منها، لا، إن عليه أن يأخذ على قدر استبقاء الحياة. ولا يظن أن ذلك يصبح حلالا، بل يقول: إن هذا حرام أبيح للاضطرار. وأيضا لابد أن نلحظ قيمة الحقوق المتعلقة بالآخرين، هب أن إنسانا يملك فنجان ماء لا يكفيه إلا ليروي حلقه، وبعد ذلك جاء شخص آخر مضطر وقوي وضربه ليأخذ منه هذا الفنجان. نقول لهذا المعتدي: لا تعتد لأن للملكية سبقا، فإن اتسعت لكما كمية الماء معا فأهلا وسهلا، وإن لم تتسع، فصاحب الملكية أولى بالماء، ولا يقولن هذا الآخر: " أنا مضطر لأن آخذها منه ". إن اضطراره سيدفع عنه المضرة ويوقعها في غيره. إذن، فالمقاييس عند الضرورة تظل كما هي، فلابد من احترام الحق والسبق، ولا يصح أن نتجاوز بالضرورة قدرها، هذا معنى قوله: ﴿ فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه ﴾ [البقرة: 173]، وقوله الحق: ﴿ فلا إثم عليه ﴾ [البقرة: 173] يدل على أن المسألة فيها إثم أباحها الله عز وجل للضرورة وذلك حتى لا نحلها تحليلا دائما، فإذا ما زالت الضرورة عدنا إلى أصل الحكم.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٧٩