إن شر الدواب عند الله الذين كفروا
[الأنفال: 55] فهل يجوز ركوب الكافر؟. لا يجوز فكان مقتضى الآية أنه يصح لك أن تركبه وعلق على ذلك قائلا: صحيح أن الدابة هي كل ما يدب على الأرض، إلا أن العرف خصها بذوات الأربع. لهذا كان للعرف مدخل في مسائل التحليل والتحريم. فإذا قال قائل: إن الله حرم الميتة، والسمك والجراد ميتة فلماذا نأكلها؟. نرد عليه: إن العرف جرى على أن السمك والجراد ليسا لحما، بدليل قولهم: " إذا كثر الجراد أرخص اللحم " ، وذلك يعني أن الجراد ليس من اللحم. أما بالنسبة للسمك، فالسمك لم يكن كالميتة التي حرمها الله لأن الميتة المحرمة هي كل ما يذبح ويسيل دمه، والسمك لا نفس سائلة له أي لا دم له. والجراد أيضا لا دم فيه، إذن، فتحليل أكله وهو ميت إنما جاء بسبب عدم وجود نفس سائلة يترتب عليها انتقال ما يضر من داخله إلى الإنسان، وكذلك الكبد والطحال أيضا ليسا بدم فالدم له سيولة، والكبد والطحال لحم متجمد متماسك، خلاصة دم تكون منه عضو الكبد وعضو الطحال. إذن، السنة لها دور بيان في التحليل والتحريم، وقوله الحق: ﴿ إنما حرم عليكم الميتة والدم ﴾ [البقرة: 173] يعني أنه سبحانه قد حرمها لأجل بقاء الدم في الميتة وعدم سيلانه، ومن باب أولى كان تحريم الدم أمرا واجبا.
وحرم الحق " لحم الخنزير " وقلنا إن علة الإقبال على الحكم هو أمر الله به، فإذا أثبت الزمن صدق القضية الإيمانية في التحليل فذلك موضوع يؤكد عملية الإيمان، لكن لو انتظرنا وأجلنا تنفيذ حكم الله حتى نتأكد من علة التحريم لكنا نؤمن بالعلماء والاكتشافات العلمية قبل أن نؤمن بالله. لأننا إن انتظرنا حتى يقول العلماء كلمتهم فقد اعتبرنا العلماء آمن علينا من الله. وهل يوجد مخلوق آمن على مخلوق من الخالق؟. إن ذلك مستحيل. إذن فالمؤمن من يأخذ كل حكم صادر من الله، وهو متيقن أن الله لا يأمره إلا بشيء نافع له، وفي الحقيقة فالشيء الضار غير ضار في ذاته، فقد ينفع في أشياء أخرى. ونضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - فأنت ساعة تعاقب ابنك بأمر من الأمور، فتحرمه من المصروف أو تحرمه من أكلة شهية، فإن ذلك العقاب ليس ضارا في ذاته، إنما إغراقك إياه بما يحب ويطلب، مع سيره في طريق لا ترتضيه، هو دعوة للابن أن يستمر في فعل ما لا ترتضيه. إن عدم تربية الابن بالثواب والعقاب هو أمر ضار. ولذلك نقول للذين يريدون أن يوجدوا علة لكل محرم: أنتم لم تفطنوا إلى تحريم التأديب، فهناك تحريم الأمر لأنه ضار، وهناك تحريم لأمر آخر لأنك تريد أن تحرمه تأديبا له، وأنت لا يصح منك أن تجعل عملية التأديب في القيم دون عملية الإصلاح في المادة البدنية. والحق سبحانه وتعالى أرحم بخلقه من الأب بابنه، وهو قد حرم بعضا من طيبات الحياة على بني إسرائيل للتأديب، فقال عز وجل:
فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم..
[النساء: 160]. فالحق حرم عليهم الطيبات كتأديب لهم على ظلمهم لأنفسهم. إذن، ساعة ترى تحريما فلا تنظر إلى تحريم الشيء الضار، لكن انظر أيضا إلى أن هناك تحريما من أجل التأديب، لأن إباحة بعض من الطيبات لهؤلاء مع كونهم مخالفين للمنهج هو إغراء لهم بأن يكونوا مخالفين دائما، ظالمين لأنفسهم. فالحق قد منع ما يضر الإنسان في بدنه، ومنع أيضا بعضا من الطيبات على بعض المخالفين كتأديب لهم. وبالنسبة لتحريم الخنزير، فقد شاءت إرادة الله عز وجل أن يكشف لخلقه سر التحريم، فأثبت العلماء أن هناك أمراضا في الخنزير لم تكن معروفة قبل ذلك، وتبين لهم خطورتها مثل الدودة الشريطية، وإذا كان الحق سبحانه وتعالى قد كشف لهم سرا واحدا هو الدودة الشريطية، فربما هنا أسرار أخرى أخطر من الدودة الشريطية. ويحرم الحق أيضا ﴿ ومآ أهل به لغير الله ﴾ [البقرة: 173] والإهلال هو رفع الصوت، ولذلك يقال: هلل أي رفع صوته بلا إله إلا الله، ويسمى الهلال هلالا لأننا ساعة نراه نهلل ونقول: " الله أكبر، ربي وربك الله " وساعة يولد الولد، ويخرج من بطن أمه يتنبه إلى حياته وإلى ذاتية وجوده بعد أن كان ملتحما بذاتية أمه فهو يصرخ، إنه يبدأ حياته بالصراخ، ولذلك فالذين ينتظرون مولد الطفل عندما يستمعون لصرخته يطمئنون.