تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم ربنآ أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون

[السجدة: 12]. هؤلاء هم الذين يطلبون العدل من الله. بأن يعيدهم إلى الدنيا ليكفروا عن سيئاتهم. ويعملوا عملا صالحا ينجيهم من العذاب. ذلك أن الحسنات يذهبن السيئات. فماذا كان رد الحق سبحانه وتعالى عليهم. قال جل جلاله:

فذوقوا بما نسيتم لقآء يومكم هذآ إنا نسيناكم وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون

[السجدة: 14]. فهم عرضوا أن يكفروا عن سيئاتهم بأن طلبوا العودة إلى الدنيا ليعملوا صالحا. فلم يقبل الله سبحانه وتعالى منهم هذا العرض. اقرأ قوله تبارك وتعالى:

هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جآءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعآء فيشفعوا لنآ أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون

[الأعراف: 53]. لقد طلب هؤلاء الشفاعة أولا ولم تقبل. فدخلوا في حد آخر وهو العدل فلم يؤخذ مصداقا لقوله تعالى: ﴿ ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ﴾.. وهكذا نرى الاختلاف في الآيتين. فليس هناك تكرار في القرآن الكريم. ولكن الآية التي نحن بصددها تتعلق بالنفس الجازية، أو التي تريد أن تشفع لمن أسرف على نفسه: ﴿ ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ﴾ [البقرة: 48]. والآية الثانية:

لا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة

[البقرة: 123]. أي أن الضمير هنا عائد على النفس المجزي عنها. فهي تقدم العدل أولا:

فارجعنا نعمل صالحا

[السجدة: 12] فلا يقبل منها، فتبحث عن شفعاء فلا تجد ولا تنفعها شفاعة.

وهذه الآيات التي أوردناها من القرآن الكريم كلها تتعلق بيوم القيامة على أن هناك مثلا آخر في قوله تعالى:

ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم..

[الأنعام: 151]. والآية الثانية في قوله سبحانه:

ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم

[الإسراء: 31]. يقول بعض الناس إن ﴿ نرزقكم ﴾ في الآية الأولى و ﴿ نرزقهم ﴾ في الآية الثانية من جمال الأسلوب. نقول لا. قوله تعالى:

ولا تقتلوا أولادكم من إملاق

[الأنعام: 151] أي من فقر موجود. وما دام الفقر موجودا فالإنسان لا يريد أولادا ليزداد فقره. ولذلك قال له الحق سبحانه وتعالى:

نحن نرزقهم وإياكم

[الإسراء: 31]. أي أن مجيء الأولاد لن يزيدكم فقرا. لأن لكم رزقكم ولهم رزقهم. وليس معنى أن لهم رزقهم أن ذلك سينقص من رزقكم. فللأب رزق وللولد رزق. أما في الآية الثانية:

ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق

[الإسراء: 31] فكأن الفقر غير موجود. ولكنه يخشى إن رزق بأولاد يأتيه الفقر. يقول له الحق:

نحن نرزقهم وإياكم

[الإسراء: 31]. أي أن رزقهم سيأتيهم قبل رزقكم. فعندما تقرأ قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ﴾ مكررة في الآيتين لا تظن أن هذا تكرار. لأن إحداهما ختامها: ﴿ ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ﴾. والثانية: ﴿ ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ﴾. فالضمير مختلف في الحالتين. مرة يرجع إلى النفس الجازية فقدم الشفاعة وأخر العدل. ولكن في النفس المجزي عنها يتقدم العدل وبعد ذلك الشفاعة. الحق سبحانه وتعالى يقول:

يأيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا..

[لقمان: 33]. أي أن الإنسان لا يمكن أن يجزى عن إنسان مهما بلغت قرابته.. لا يجزي الولد عن أمه أو أبيه. أو يجزي الوالد عن أولاده. واقرأ قوله تبارك وتعالى:

يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * وصحبته وبنيه * لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه

[عبس: 34-37]. وقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ ولا يقبل منها عدل ﴾: ﴿ ولا يؤخذ منها عدل ﴾. العدل هو المقابل. كأن يقول المسرف على نفسه يا رب فعلت كذا وأسرفت على نفسي فأعدني إلى الدنيا أعمل صالحا. وكلمة العدل مرة تأتي بكسر العين وهي مقابل الشيء من جنسه. أي أن يعدل القماش قماش مثله ويعدل الذهب ذهب مثله. وعدل بفتح العين مقابل الشيء ولكن من غير جنسه. والعدل معناه الحق والعدل لا يكون إلا بين خصمين. ومعناه الإنصاف ومعناه الحق. والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير. وإنك لا تتحيز لجهة على حساب جهة أخرى. ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما كان يجلس مع أصحابه يوزع نظره إلى كل الجالسين حتى لا يقال إنه مهتم بواحد منهم عن الآخر. ولابد أن نعرف ما هي النفس.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١١٢