والسورة التي قبلها تلهي الإنسان بالتكاثر في المال والولد، بغية الغنى والتكثر فيه، وضده ضياع المال والولد وهو الخسران.
فعليه يكون الخسران في الدين من حيث الإيمان بسبب الكفر، وفي الإسلام وهو ترك العمل، وإن كان يشمله الإيمان في الاصطلاح والتلهي في الباطل وترك الحق، وفي الهلع والفزع.
ومن ثم ترك الأمر والنهي بما فيه مصلحة العبد وفلاحه وصلاح دينه ودنياه، وكل ذلك جاء في القرآن ما يدل عليه نجمله كالآتي:
أما الخسران بالكفر. فكما في قوله تعالى:
لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين
[الزمر: 65].
وقوله:
قد خسر الذين كذبوا بلقآء الله
[الأنعام: 31]، أي لأنهم لم يعملوا لهذا اللقاء، وقصروا أمرهم في الحياة الدنيا فضيعوا أنفسهم، وحظهم في الآخرة.
وأما الخسران بترك العمل، فكما في قوله تعالى:
ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم
[الأعراف: 9]، لأن الموازين هي معايير الأعمال كما تقدم
فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره
[الزلزلة: 7].
ومثله:
ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا
[النساء: 119]، لأنه سيكون من حزب الشيطان
ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون
[المجادلة: 19]، أي بطاعتهم إياه في معصية الله.
وأما الخسران بترك التواصي بالحق فليس بعد الحق إلا بالضلال، والحق هو الإسلام بكامله، وقد نال تعالى:
ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين
[آل عمران: 85].
وأما الخسران بترك التواصي بالصبر والوقوع في الهلع والفزع، فكما قال تعالى:
ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين
[الحج: 11].
تحقيق المناط في حقيقة خسران الإنسان
اتفقوا على أن رأس مال الإنسان في حياته هو عمره. كلف بإعماله في فترة وجوده في الدنيا، فهي له كالسوق.
فإن أعمله في خير ربح، وإن أعمله في شر خسر.
ويدل لهذا المعنى قوله تعالى:
إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة
[التوبة: 111].
وقوله:
هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله
[الصف: 10-11] الآية.
وفي الحديث عند مسلم:
" الطهور شطر الإيمان ".
وفي آخره
" كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها "
مما يؤكد أن رأس مال الإنسان عمره.
ولأهمية هذا العمر جاء قسيم الرسالة والنذارة في قوله:
أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجآءكم النذير
[فاطر: 37].
وعلى هذا قالوا: إن الله تعالى أرسل رسوله بالهدى.
وهدى كل إنسان النجدين، وجعل لكل إنسان منزلة في الجنة ومنزلة في النار.
فمن آمن وعمل صالحا كان مآله إلى منزلة الجنة، وسلم من منزلة النار، ومن كفر كان مآله إلى منزلة النار، وترك منزلته في الجنة.
كما جاء في حديث القبر
" أول ما يدخل في قبره إن كان مؤمنا يفتح له باب إلى النار، ويقال له: ذاك مقعدك من النار لو لم تؤمن ثم يقفل عنه، ويفتح له باب إلى الجنة ويقال له: هذا منزلك يوم تقوم الساعة، فيقول: رب، أقم الساعة ".
وإن كان كافرا كان على العكس تماما، فإذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فيأخذ كل منزلته فيها، وتبقى منازل أهل النار في الجنة خالية فيتوارثها أهل الجنة، وتبقى منازل أهل الجنة في النار خالية، فتوزع على أهل النار، وهنا يظهر الخسران المبين، لأنه من ترك منزلة في الجنة وذهب إلى منزلة في النار، فهو بلا شك خاسر، وإذا ترك منزلته في الجنة لغيره وأخذ هو بدلا منها منزلة غيره في النار، كان هو الخسران المبين، عياذا بالله.
أما في غير الكافر وفي عموم المسلمين، فإن الخسران في التفريط بحيث لو دخل الجنة ولم ينل أعلى الدرجات يحس بالخسران في القوت الذي فرط فيه، ولم يناقش في فعل الخير، لينال أعلى الدرجات.