تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحديث علي لما سئل " هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلم؟ قال: لا، إلا فهما يؤتيه الله من شاء في كتابه. وما في هذه الصحيفة ".

وقوله: واتقوا الله ويعلمكم الله. نسأل الله علم ما لم نعلم، والعمل بما نعلم. وبالله التوفيق.

96.6-7

ظاهر هذه الآية أن الاستغناء موجب للطغيان عند الإنسان، ولفظ الإنسان هنا عام، ولكن وجدنا بعض الإنسان يستغني ولا يطغى، فيكون هذا من العام المخصوص، ومخصصه إما من نفس الآية أو من خارج عنها، ففي نفس الآية ما يفيده قوله تعالى: ﴿ أن رآه استغنى ﴾ ، أي إن رأي الإنسان نفسه، وقد يكون رأيا واهما ويكون الحقيقة خلاف ذلك، ومع ذلك يطغى، فلا يكون الاستغناء هو سبب الطغيان.

ولذا جاء في السنة: ذك العائل المتكبر، لأنه مع فقره يرى نفسه استغنى، فهو معنى في نفسه لا بسبب غناه.

أما من خارج الآية، فقد دل على هذا المعنى، قوله تعالى:

فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى

[النازعات: 37-39]، فإيثار الحياة الدنيا هو موجب الطغيان، وكما في قوله تعالى:

الذى جمع مالا وعدده يحسب أن ماله أخلده كلا لينبذن في الحطمة

[الهمزة: 2-4] الآية.

ومفهومه: أن من لم يؤثر الحياة الدنيا، ولم يحسب أن ماله أخلده، لن يطغيه ماله ولا غناه، كما جاء في قصة النفر الثلاثة الأعمى والأبرص والأقرع من بني إسرائيل.

وقد نص القرآن على أوسع غنى في الدنيا في نبي الله سليمان، آتاه الله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، ومع هذا قال:

إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق

[ص: 32-33] الآية.

وقصة الصحابي الموجودة في الموطأ: لما شغل ببستانه في الصلاة، حين رأى الطائر لا يجد فرجة من الأغصان، ينفذ منه، فجاء إلى النبي وقال: " يا رسول الله: إني فتنت ببستاني في صلاتي، فهو في سبيل الله " فعرفنا أن الغنى وحده ليس موجبا للطغيان، ولكن إذا صحبه إيثار الحياة الدنيا على الآخرة، وقد يكون طغيان النفس من لوازمها لو لم يكن غنى. إن النفس لأمارة بالسوء. وأنه لا يقي منه إلا التهذيب بالدين كما قال تعالى:

ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشآء

[الشورى: 27] الآية.

وقد ذكر عن فرعون تحقيق ذلك حين قال:

أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون

[الزخرف: 51]، وكذلك قال قارون

إنمآ أوتيته على علم عندي

[القصص: 78]، وقال: ثالث الثلاثة من بني إسرائيل " إنما ورثته كابرا عن كابر بخلاف المسلم " إلى آخره. فلا يزيده غناه إلا تواضعا وشكرا للنعمة، كما قال نبي الله سليمان

قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم

[النمل: 40]، وقد نص في نفس السورة أنه شكر الله

فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين

[النمل: 19].

وفي العموم قوله:

حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين

[الأحقاف: 15].

وقد كان في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحاب المال الوفير فلم يزدهم إلا قربا لله، كعثمان بن عفان رضي الله عنه، وعبد الرحمن بن عوف، وأمثالهم، وفي الآية ربط لطيف بأول السورة، إذا كان خلق الإنسان من علق، وهي أحوج ما يكون إلى لطف الله وعنايته ورحمته في رحم أمه، فإذا بها مضغة ثم عظام، ثم تكسى لحما، ثم تنشأ خلقا آخر، ثم يأتي إلى الدنيا طفلا رضيعا لا يملك إلا البكاء، فيجري الله له نهرين من لبن أمه، ثم ينبت له الأسنان، ويفتق له الأمعاء، ثم يشب ويصير غلاما يافعا، فإذا ما ابتلاه ربه بشيء من المال أو العافية، فإذا هو ينسى كل ما تقدم، وينسى حتى ربه ويطغى ويتجاوز حده حتى مع الله خالقه ورازقه، كما رد عليه تعالى بقوله:

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٥٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٥٥٣