تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[النور: 35]. فوصفها بالبركة ووصف زيتها بأنه يكاد يضيء، ولو لم تمسسه نار، واختيارها لهذا المثل العظيم، يجعلها أهلا لهذا القسم العظيم هنا.

أما طور سينين: فأكثرهم على أنه جبل الطور، الذي ناجى الله موسى عنده، كما جاء في عدة مواطن، وذكر الطور فيها للتكريم وللقسم فمن ذكره للتكريم قوله تعالى:

وناديناه من جانب الطور الأيمن

[مريم: 52]، ومن ذكره للقسم به قوله تعالى:

والطور وكتاب مسطور

[الطور: 1-2].

وقد تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في سورة الطور قوله، وقد أقسم الله بالطور في قوله تعالى: ﴿ والتين والزيتون وطور سينين ﴾ ا ه.

أما البلد الأمين فهو مكة لقوله تعالى:

ومن دخله كان آمنا

[آل عمران: 97]، فالأمين بمعنى الأمن، أي من الأعداء، أن يحاربوا أهله أو يغزوهم، كما قال تعالى:

أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم

[العنكبوت: 67]، والأمين بمعنى أمن جاء في قول الشاعر:

ألم تعلمي يا أسم ويحك أنني

حلفت يمينا لا أخون أميني

يريد: آمني.

95.4

وهذا هو المقسم عليه، والتقويم التعديل كما في قوله:

ولم يجعل له عوجا قيما

[الكهف: 1-2]، وأحسن تقويم شامل لخلق الإنسان حسا ومعنى أي شكلا وصورة وإنسانية، وكلها من آيات القدرة ودلالة البعث.

وروى عن علي رضي الله عنه:

دواؤك منك ولا تشعر

وداؤك منك ولا تبصر

ونزعم أنك جرم صغير

وفيك انطوى العالم الكبير

وقد بين تعالى خلقه ابتداء من نطفة فعلقة إلى آخره في أكثر من موضع، كما في قوله:

ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى

[القيامة: 37-40].

وكذلك في هذه السورة التنبيه على البعث بقوله:

فما يكذبك بعد بالدين

[التين: 7].

أما الجانب المعنوي فهو الجانب الإنساني، وهو المتقدم في قوله:

ونفس وما سواها

[الشمس: 7]، على ما قدمنا هناك، من أن النفس البشرية هي مناط التكليف، وهو الجانب الذي به كان الإنسان إنسانا، وبهما كان خلقه في أحسن تقويم، ونال بذلك أعلى درجات التكريم:

ولقد كرمنا بني آدم

[الإسراء: 70].

والإنسان وإن كان لفظا مفردا إلا أنه للجنس بدلالة قوله:

ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا

[التين: 5-6]، وهذا مثل ما في سورة

والعصر إن الإنسان لفى خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر

[العصر: 1-3]، فباستثناء الجمع منه، علم أن المراد به الجنس.

والتأكيد بالقسم المتقدم على خلق الإنسان في أحسن تقويم، يشعر أن المخاطب منكر لذلك، مع أن هذا أمر ملموس محسوس، لا ينكره إنسان.

وقد أجاب الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في دفع إيهام الاضطراب على ذلك: بأن غير المنكر إذا ظهرت عليه علامات الإنكار، عوامل معاملة المنكر، كقول الشاعر:

جاء شقيق عارضا رمحه

وإن بني عمك فيهم رماح

وإمارات الإنكار على المخاطبين، إنما هي عدم إيمانهم بالبعث، لأن العاقل لو تأمل خلق الإنسان، لعرف منه أن القادر على خلقه في هذه السورة، قادر على بعثه.

وهذه المسألة أفردها الشيخ في سورة الجاثية بتنبيه على قوله تعالى:

وفي خلقكم وما يبث من دآبة آيات لقوم يوقنون

[الجاثية: 4]، وتكرر هذا البحث في عدة مواضع، وأصرح دلالة على هذا المعنى ما جاء في آخر يس

وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة وهو بكل خلق عليم

[يس: 78-79].

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٥٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٥٤٢