تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهذه النفس في تسويتها لتلقى معني الخير والشر، واستقبال الإلهام الإلهي للفجور، والتقوى أعظم دلالة على القدرة من تلك الجمادات التي لا تبدي ولا تعيد، والتي لا تمسك سلبا ولا إيجابا.

وهنا مثال بسيط فيما استحدث من آلات حفظ وحساب، كالآلة الحاسبة والعقل الألكتروني، فإنها لا تخطئ كما يقولون، وقد بهرت العقول في صفتها، ولكن بنظرة بسيطة نجدها أمام النفس الإنسانية كقطرة من بحر.

فنقول: إنها أولا من صنع هذه النفس ذات الإدراك النامي والاستنتاج الباهر.

ثانيا: هي لا تخطئ لأنها لا تقدر أن تخطئ، لأن الخطأ ناشئ عن اجتهاد فكري، وهي لا اجتهاد لها، إنما تشير وفق ما رسم لها كالمادة المسجلة في شريط، فإن المسجل مع دقة حفظه لها فإنه لا يقدر أن يزيد ولا ينقص حرفا واحدا.

أما الإنسان فإنه يغير ويبدل، وعندما يبدل كلمة مكان كلمة، فلقدرته على إيجاد الكلمة الأخرى، أو لاختياره ترك الكلمة الأولى.

وهكذا هنا، فالله تعالى هنا خلق تلك النفس أولا، ثم سواها على حال تقبل تلقي الإلهام بقسيمة: الفجور والتقوى، ثم تسلك أحد الطريقين، فكأن مجيء القسم بها بعد تلك المسميات دلالة على عظم ذاتها وقوة دلالتها على قدرة خالقها، وما سواها مستعدة قابلة لتلقي إلهام الله إياها.

تنبيه

وفي مجيئها بعد الآيات الكونية. من شمس وقمر وليل ونهار، وسماء وأرض، لفت إلى وجوب التأمل في كل المخلوقات، يستلهم منها الدلالة على قدرة خالقها والاستدلال على تغير الأزمان، وحركة الأفلاك، وإحداث السماء بالبناء أنه لا بد لهذا العالم من صانع، ولا بد للمحدث المتجدد من فناء وعدم.

كما عرض إبراهيم عليه السلام على النمروذ نماذج الاستدلال على الربوبية والألوهية، فأشار إلى الشمس أولا، ثم إلى القمر، ثم انتقل به إلى الله سبحانه.

وقوله: ﴿ فألهمها فجورها وتقواها ﴾ [الشمس: 8]، إن كان ألهمها بمعنى هداها وبين لها، فهو كما في قوله:

وهديناه النجدين

[البلد: 10]، وقوله:

إنا هديناه السبيل

[الإنسان: 3]، وهذا على الهداية العامة، التي بمعنى الدلالة والبيان.

وإن كان بمعنى التيسير والإلزام، ففيه إشكال القدر في الخير والاختيار.

وقد بحث هذا المعنى الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في دفع إيهام الاضطراب بحثا وافيا.

قوله تعالى: ﴿ قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها ﴾ [الشمس: 9-10].

هذا هو جواب القسم فيما تقدم، فالواو قد حذفت منه اللام لطول ما بين المقسم به والمقسم عليه.

وقد نوه عنه الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه عند الكلام على قوله تعالى:

إن ذلك لحق تخاصم أهل النار

[ص: 64]، من سورة ص، وأنهم استدلوا لهذه الآية عليه.

والأصل: لقد أفلح، فحذفت اللام لطول الفصل، وزكاها بمعنى طهرها، وأول ما يطهرها منه دنس الشرك ورجسه، كما قال تعالى:

إنما المشركون نجس

[التوبة: 28]، وتطهيرها منه بالإيمان ثم من المعاصي بالتقوى، كما في قوله تعالى:

فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى

[النجم: 32]، ثم بعمل الطاعات

قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى

[الأعلى: 14-15].

واختلف في مرجع الضمير في زكاها ودساها، وهو يرجع إلى اختلافهم في ﴿ فألهمها فجورها وتقواها ﴾ [الشمس: 8]، فهل يعود إلى الله تعالى، كما في ﴿ ونفس وما سواها ﴾ [الشمس: 7]، أم يعود على العبد.

ويمكن أن يستدل لكل قول ببعض النصوص. فمما يستدل به للقول الأول قوله تعالى:

بل الله يزكي من يشآء ولا يظلمون فتيلا

[النساء: 49]، وقوله:

ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا

[النور: 21]، وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول عند هذه الآية:

" اللهم أئت نفسي تقواها وزكها، أنت خير من زكاها، وانت وليها ومولاها ".

ومما استدل به للقول الثاني فكقوله:

قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٥١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٥١٧