[القصص: 71-72].
وقوله: ﴿ والليل إذا يغشاها ﴾ [الشمس: 4]، قالوا يغشى الشمس فينحجب ضياؤها، والكلام على الليل، كالكلام على النهار، من حيث الآية. والدلالة على قدرته تعالى.
وتقدمت النصوص الكافية وسيأتي الإقسام بالليل في قوله:
والليل إذا يغشى
[الليل: 1]، أي يغشى الكون كله، كما في قوله:
والليل وما وسق
[الانشقاق: 17]، أي جمع واشتمل بظلامه.
والضمير في يغشاها: راجع إلى الشمس، وعليه، قيل: إن الإقسام في هذه الأربعة راجع كله إلى الشمس في حالات مختلفة، في ضحاها ثم تجليها، ثم تلو القمر لها، ثم يغشيان الليل إياها، وهنا سؤال: كيف يغشى الليل الشمس، مع أن الليل وهو الظلمة نتيجة لغروب الشمس عن الجهة التي فيها الليل؟
فقيل: إن الليل يغطي ضوء الشمس، فتتكون الظلمة، والواقع خلاف ذلك. وهو أن الشمس ظاهرة وضوؤها منتشر، ولكن في قسم الأرض المقابل للظلمة الموجودة، كما أن الظلمة تكون في القسم المقابل للنهار، وهكذا.
ولذا قال ابن كثير: إن الضمير في يغشاها وجلاها راجع إلى الأرض، إلا أن فيه مغايرة في مرجع الضمير، والله تعالى أعلم.
وقوله: ﴿ والسمآء وما بناها ﴾ [الشمس: 5]، قيل: ما، بمعنى الذي، وجيء بها بدلا عن من، التي لأولى العلم، لإشعارها معنى الوصفية، أي والسماء والقادر الذي بناها، وكذلك ما بعدها في الأرض، وما طحاها ونفس، والحكيم العليم الذي سواها، وما مشترك بين العالم وغيره، كقوله:
ولا أنتم عابدون مآ أعبد
[الكافرون: 3]، ومثله
فانكحوا ما طاب لكم من النسآء
[النساء: 3].
وتقدم مرارا أحوال السماء في بنائها ورفعها، وجعلها سبعا طباقا، وقد بين في تلك النصوص كيفية بنائها، وأنه سبحانه وتعالى بناها بقوة، كما في قوله تعالى:
والسمآء بنيناها بأيد
[الذاريات: 47]، أي بقوة، وقوله تعالى: ﴿ والأرض وما طحاها ﴾ [الشمس: 6] مثل دحاها.
وقالوا: إبدال الدال طاء مشهور، وطحا تأتي بمعنى خلق، وبمعنى ذهب في كل شيء، فمن الأول:
وما تدري جذيمة من طحاها
ولا من ساكن العرش الرفيع
ومن الثاني قول علقمة:
طحا بك قلب في الحسان طروب
يعيد الشباب عصر حان مشيب
ولا منافاة في ذلك بأنه تعالى خلقها ومدها، وذهب بأطرافها كل مذهب، أي في مدها.
تنبيه
قالوا: ذكر السماء وما بناها، للدلالة على حدوثها، وبالتالي على حدوث الشمس والقمر، وأن تدبيرهما لله.
وقوله: ﴿ ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها ﴾ [الشمس: 7-8]، قالوا: النفس تحمل كامل خلقة الإنسان بجسمه وروحه وقواه الإنسانية، من تفكير وسلوك... إلخ.
وقيل: النفس هنا بمعنى القوى المفكرة المدركة مناط الرغبة والاختيار، وعليه فذكر النفس بالمعنى الأول، تكون تسويتها في استواء خلقتها وتركيب أعضائها، وهي غاية في الدلالة على القدرة والكمال والعلم، كما في قوله:
لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم
[التين: 4]، وقال:
وفي أنفسكم أفلا تبصرون
[الذاريات: 21]، أي من أعضاء وأجزاء وتراكيب وعدة أجهزة تبهر العقول في السمع، وفي البصر، وفي الشم، وفي الذوق، وفي الحس، ومن داخل الجسم ما هو أعظم، فحق أن يقسم بها.
وما سواها: اي بالقدرة الباهرة، والعلم الشاملز وذكرها بالمعنى الثاني، فإنه في نظري أعظم من المعنى الأول، وذلك أن القوى المدركة والمفكرة والمقدرة للأمور التي لها الاختيار، ومنها القبول والرفض والرضى والسخط والأخذ والمنع، فإنها عالم مستقل.
وإنها كما قلنا أعظم مما تقدم، لأن الجانب الخلقي قال تعالى فيه:
لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس
[غافر: 57]، ولكن في هذا الجانب قال:
إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا
[الأحزاب: 72].
ومعلوم أن بعض أفراد الإنسان حملها بصدق واداها بوفاء، ونال رضى الله تعالى رضي الله عنهم ورضوا عنه.