85.12
في مقام المنطوق بالمفهوم من العزيز الحميد، كما تقدم.
85.13
قيل: يبدئ الخلق ويعيده، كالزرع والنبات والإنسان بالمولد والموت، ثم بالبعث.
قيل: يبدأ الكفار بالعذاب ويعيده عليهم، واستدل لهذا بقوله
كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب
[النساء: 56].
وفي الحديث:
" ما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها إلا إذا كان يوم القيامة، بطح لها بقاع قرقر، ثم يأتي بها أوفر ما تكون سمنا فتطؤه بخفافها فتستن عليه كما مر عليه أخراها أعيد عليه أولها، حتى يقضى بين الخلائق فيرى مصيره إما إلى جنة، وإما إلى نار "
إلى آخر الحديث في صاحب البقر والغنم والذهب.
ولكن الذي يظهر والله تعالى أعلم هو الأول، لأنه يكثر في القرآن كقوله تعالى:
قل هل من شركآئكم من يبدأ الخلق ثم يعيده
[يونس: 34]. وقوله
قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده
[يونس: 34].
وجعله آية على قدرته ودليلا على عجز ونقص الشركاء، في قوله في أول هذه الآية:
قل هل من شركآئكم من يبدأ الخلق ثم يعيده
[يونس: 34]، ورد عليهم بقوله:
قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده
[يونس: 34]، وقوله:
كما بدأنآ أول خلق نعيده وعدا علينآ إنا كنا فاعلين
[الأنبياء: 104].
85.17-18
بعد عرض قصة أصحاب الأخدود تسلية للمؤمنين وتثبيتا لهم، وزجرا للمشركين وردعا لهم، جاء بأخبار لبعض من سبق من الأمم وفرعون وثمود بدل من الجنود، وهم جمع جند، وهم الكثرة، وأصحاب القوة، وحديثه ما قص الله من خبره مع موسى وبني إسرائيل.
وفي اختيار فرعون هنا بعد أصحاب الأخدود لما بينهما من المشاكلة والمشابهة، إذ فرعون طغى وادعى الربوبية، كملك أصحاب الأخدود الذي قال لجليسه: ألك رب غيري؟ ولتعذيبه بني إسرائيل بتقتيل الأولاد واستحياء النساء، وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم، ولتقديم الآيات والبراهين على صدق الداعية، إذ موسى عليه السلام قدم لفرعون من آيات ربه الكبرى فكذب وعصى، والغلام قدم لهذا الملك الآيات الكبرى: إبراء الأكمه والأبرص بإذن الله، وعجز فرعون عن موسى وإدراكه، وعجز الملك عن قتل الغلام إذ نجاه الله من الإغراق والدهدهة من قمة الجبل، فكان لهذا أن يرعوى عن ذلك ويتفطن للحقيقة، لكن ساطانه أعماه كما أعمى فرعون.
وكذلك آمن السحرة لما رأوا آية موسى وخروا لله سجدا.
وهكذا آمن الناس برب الغلام، فوقع الملك فيما وقع فيه فرعون. إذ جمع فرعون السحرة ليشهد الناس عجز موسى وقدرته، فانقلب الموقف عليه، وكان أول الناس إيمانا هم أعوان فرعون على موسى، وهكذا هنا كان أسرع الناس إيمانا الذي جمعهم الملك ليشهدوا قتله للغلام.
فظهر تناسب ذكر فرعون دون غيره من الأمم الطاغية السابقة، إن كان في الكل عظة وعبرة، ولكن هذا منتهى الإعجاز في قصص القرآن وأسلوبه، والله تعالى أعلم.
وكذلك ثمود لما كان منهم من مظاهر القوة والطغيان، وقد جمعهما الله أيضا معا في سورة الفجر في قوله:
وثمود الذين جابوا الصخر بالواد * وفرعون ذى الأوتاد
[الفجر: 9- 10]، وهكذا جمعهما هنا فرعون وثمود.