والله على كل شيء شهيد
[البروج: 9]، وهو كما ترى لا يتقيد بشاهد واحد، وأيضا لا يعارض بعضها بعضا.
فاختلاف الشهود وتعددهم باختلاف المشهود عليه، وتعدده من فرد إلى أمة إلى رسل، إلى غير ذلك. وكلها داخلة في المعنى وواقعة بالفعل.
وقد ذكرت أقوال أخرى، ولكن لا تختص بوم القيامة.
ومنها: أن الشاهد الله والملائكة وأولوا العلم، والمشهود به وحدانية الله تعالى.
ومنها: الشاهد المخلوقات، والمشهود به قدرة الله تعالى، فتكون الشهادة بمعنى العلامة.
وأكثر المفسرين إيرادا في ذلك الفخر الرازي حيث ساقها كلها بأدلتها إلا ما ذكرناه من السنة فلم يورده.
وقد جاء في السنة تعيين الشهادات لغير ما ذكر.
منها الشهادة للمؤذن: ما يسمع صوته شجر ولا حجر ولا مدر، إلا شهد له يوم القيامة.
ومنها: شهادة الأرض على الإنسان بما عليها المشار إليه في قوله تعالى:
يومئذ تحدث أخبارها
[الزلزلة: 4].
ومنها: شهادة المال على صاحبه فيم أنفقه.
ومنها: شهادة الصيام والقرآن وشفاعتهما لصاحبهما. ونحو ذلك والله تعالى أعلم.
تنبيه
في هذا العرض إشعار يتعلق بالقضاء وكمال العدالة، وهو إذا كان رب العزة سبحانه وتعالى، وهو على كل شيء شهيد، وبكل شيء عليم، وموكل حفظه يكتبون أعمال العباد، ومع ذلك لم يقض بين الخلائق بما يعلمه منهم ولا بما سجلته ملائكته ويستنطق أعضاءهم، ويستشهد الرسل على الأمم والرسول - صلى الله عليه وسلم - على الرسل، أي بأنهم بلغوا أممهم رسالات الله إليهم، فلأن لا يقضي القاضي بعلمه من باب أولى. والعلم عند الله تعالى.
وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم قوله:
" إنكم تحتكمون إلي وإنما أنا بشر أقضي لكم على نحو ما أسمع، فمن اقتطعت له شيئا من حق أخيه، فإنما أقطع له قطعة من نار "
الحديث. أي كان من الممكن أن ينزل عليه الوحي، ولا سيما في تلك القضية بعينها، إذ قالوا في مواريث درست معالمها ولا بينة بينهما، ولكن إذا نزل الوحي عليه صلى الله عليه وسلم فيها، فمن بالوحي لمن يأتي بعده في القضاء؟
ولذا قال صلى الله عليه وسلم
" البينة على المدعي، واليمين على من أنكر ".
ومعلوم أن البينة فعيلة من البيان، فتشمل كل ما يبين الحق من شهادة وقرينة كما في قصة يوسف من القرائن مع إخوته ومع امرأة العزيز. إلخ.