تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[النور: 36-37].

وبين رحمة الله تعالى علينا وعليه، مفهوم رجال، هل هو مفهوم صفة أو مفهوم لقب، وساق علاقة النساء بالمساجد في الجمعة وغيرها، أما المملوك فمما يستأنس له أيضا من السياق في قوله تعالى: ﴿ وذروا البيع ﴾ إذ البيع والشراء ابتداء ليس من حق العبيد إلا بإذن السيد.

وقوله: ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ﴾ [الجمعة: 10]، فإن المملوك لا ينتشر في الأرض إلا بإذن السيد أيضا، وكذلك المسافر فليس مشتغلا ببيع ولا محل اشتغال به، وهو منتشر في الأرض بسفره وسفره شاغل له، وبسفره يقصر الصلاة ويجمعها.

وقد حكى الشوكاني الاتفاق بين الفقهاء على سقوط الجمعة عن المملوك إلا داود، وكذلك المسافر إذا كان سائرا، أما إذا كان نازلا، فخالف فيه داود أيضا.

ومما استدل به الجمهور على سقوط الجمعة عن المسافر وقت نزوله ما وقع من فعله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، إذا كانت الوقفة يوم الجمعة، وكان صلى الله عليه وسلم نازلا ولم يصل الجمعة، بدليل أنه لم يجهر بالقراءة، ونازع في ذلك ابن حزم وقال: غاية ما فيه ترك الجهر في الجهرية، وهذا لا يبطلها.

ولكن يمكن أن يقال له: لقد قال صلى الله عليه وسلم:

" خذوا عني مناسككم "

والصلاة أثناء الحج مما يؤخذ عنه صلى الله عليه وسلم كالجمع تقديما في عرفة وتأخيرا في مزدلفة، ولا يتأتى أن يترك الجهر في الجهرية وهو أقل ما فيه أنه خلاف الأولى ويأمرهم أن يأخذوه عنه.

ومن هذا كله صح ما ذهب إليه الجمهور من أنه لا جمعة على مملوك ولا مسافر. كما لا جمعة على المرأة والمريض، وبالله تعالى التوفيق.

قال ابن كثير: وإنما يؤمر بحضور الجمعة الرجال الأحرار دون العبيد والنساء والصبيان، ويعذر المسافر والمريض ويتم المريض وما أشبه ذلك من الأعذار.

أما سقوطها عن أهل البوادي ومن في حكمهم، فهو قول لجمهور مع اختلافهم في تحقيق المناط في ذلك بين المصر والقرية، والبادية، وبالرجوع إلى أقوال الأئمة نجد الخلاف الآتي أقوال الأئمة في مكان الجمعة.

أولا: عند أبي حنيفة رحمه الله قال في الهداية ما نصه: لا تصح الجمعة إلا في مصر جامع أو في مصلى المصر، ولا تجوز في القرية لقوله صلى الله عليه وسلم:

" لا جمعة ولا تشريق ولا فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع "

وفسر الشارح ابن الهمام المصر بقوله: والمصر الجامع كل موضع له أمير وقاضي ينفذ الأحكام ويقيم الحدود، وناقش الأثر الذي أورده المصنف قائلا: رواه ابن أبي شيبة موقوفا على علي رضي الله عنه " لا جمعة ولا تشريق ولا صلاة فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع أو مدينة عظيمة " صححه ابن حزم.

ورواه عبد الرزاق من حديث عبد الرحمن السلمي عن علي رضي الله عنه، قال: لا تشريق ولا جمعة إلا في مصر جامع اه.

وذكر هذا الأثر القرطبي موقوفا على علي رضي الله عنه.

وعند المالكية قال في متن خليل في فصل شروط الجمعة مانصه: باستيطان بلد أو أخصاص لا خيم.

وفسر الشارح: الاستيطان بالعزم على الإقامة على نية التأبيد، ولا تكفي نية الإقامة ولو طالت، وجاء في المتن بعدها قوله: ولزمت المكلف الحر الذكر بلا عذر المتوطن.

وقال الشارح على كلمة متوطنا: هو أيضا من شروط الوجوب. يعني أنه يشترط في وجوبها الاستيطان ببلد يتوطن فيه ويكون محلا للإقامة يمكن الشراء فيه، وإن بعدت داره من المنارة سمع النداء أو لم يسمع، ولو على خمسة أميال أو ستة إجماعا. فلا تجعل على مسافر ولا مقيم ولو نوى إقامة زمنا طويلا إلا تبعا اه. أي تبعا لغيره.

وعند الشافعي قال في المهذب ما نصه: ولا تصح الجمعة إلا في أبنية يستوطنها من تنعقد بهم الجمعة من بلد أو قرية لأنه لم تقم جمعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في أيام الخلفاء إلا في بلد أو قرية، ولم ينقل أنها أقيمت في بدو، فإن خرج أهل البلد إلى خارج البلد فصلوا الجمعة لم يجز، لأنه ليس بوطن فلم تصح فيه الجمعة كالبدو، وإن انهدم البلد فأقام أهله على عمارته، فحضرت الجمعة لزمهم إقامتها لأنهم في موضع الاستيطان.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٢٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٢٩٦