تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال النووي في الشرح ما نصه: قال أصحابنا يشترط لصحة الجمعة أن تقام في أبنية مجتمعة يستوطنها شتاء وصيفا من تنعقد بهم الجمعة.

قال الشافعي والأصحاب: سواء كان البناء من أحجار أو أخشاب أو طين أو قصب أو سعف أو غيرهما، وسواء فيه البلاد الكبار ذوات الأسواق والقرى الصغار، والأسراب المتخذة وطنا، فإن كانت الأبنية متفرقة لم تصح الجمعة بلا خلاف، لأنها لا تعد قرية ويرجع في الاجتماع والتفرق إلى العرف.

وأما أهل الخيام فإن كانوا ينتقلون من موضعهم شتاءا وصيفا وهي مجتمعة بعضها إلى بعض فقولان. ثم قال: أصحهما باتفاق الأصحاب لا تجب عليهم الجمعة ولا تصح منهم، وبه قطع الأكثرون، وبه قال مالك وأبو حنيفة، ثم ذكر الدليل بقوله لحديث:

" صلوا كما رأيتموني أصلي "

ولم يصل هكذا.

وعند الحنابلة قال في المغني ما نصه:

فصل

فأما الاستيطان فهو شرط في قول أكثر أهل العلم، وهو الاستيطان في قرية على الأوصاف المذكورة لا يظعنون عنها صيفا ولا شتاء، ولا تجب على مسافر ولا على مقيم في قرية يظعن أهلها عنها في الشتاء دون الصيف، أو في بعض السنة.

فإن خربت القرية أو بعضها وأهلها مقيمون فيها عازمون على إصلاحها فحكمها باق في إقامة الجمعة بها وإن عزموا على النقلة عنها لم تجب عليهم لعدم الاستيطان.

هذه خلاصة أقوال أهل المذاهب الأربعة متفقة على اشتراط الوطن والاستيطان. وإن اختلفت في صفة الوطن من مصر أو قرية أو نحوها مبينة بحجر أو طين أو أخشاب أو خيام ثابتة صيفا وشتاء على ما تقدم.

وقد انفرد أبو حنيفة ومعه صاحبه أبو يوسف باشتراط وجود الأمير والقاضي الذي يقيم الحدود احترازا من القاضي الذي لا يقيم الحدود، كقاضي السوق، أو إذا كان من يلي القضاء امرأة على مذهبه في ذلك وهي لا تقضي في الحدود لعدم جواز شهادتها فيها، واكتفى الأئمة الثلاثة بمطلق الاستيطان، ومعلوم أن الاستيطان يستلزم الإمارة شرعا وعقلا.

أما شرعا فلقوله صلى الله عليه وسلم:

" ما من ثلاثة لا يؤمرون عليهم أميرا إلا استحوذ عليهم الشيطان ".

وعقلا، فإن مستوطنين لا تسلم أحوالهم من خلافات ومشاحة فيما بينهم فلا بد من شخص يرجعون إليه، وهو في معنى الأمير المطلوب، كما أن الاستيطان يستلزم السوق لحوائجهم كما هو معلوم عرفا.

وقد استدل الجمهور بحديث ابن عباس رضي الله عنه " أن أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بقرية من قرى البحرين يقال لها جواثي " وبحديث أبي أمامة أنه جمع بهم بالمدينة قبل مجيء النبي صلى الله عليه وسلم في هزم من حرة بني بياضة يقال له: نقيع الخضمات. مما لا يستلزم المصر الذي اشترطه أبو حنيفة رحمه الله، وأجاب الأحناف عن ذلك بعدم المعارضة بين حديث علي وحديث ابن عباس، وفعل أبي أمامة، وقالوا: إن قول علي لا يكون إلا عن سماع، ولأن قوله تعالى: ﴿ فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ ليس على إطلاقه بإتفاق الأمة، إذ لا يجوز إقامتها في البراري إجماعا، ولا في كل قرية عند ابن عباس، بل يشترط ألا يظعن أهلها عنها صيفا ولا شتاء، فكان خصوص المكان مرادا فيها إجماعا، فقدر القرية من أخذ بحديث ابن عباس بأنها القرية الخاصة. وقدر الأحناف المصر وقالوا: هو أولى لنص حديث علي " إلا في مصر جامع " ، وقالوا إن إقامتها في قرية جواثي غاية ما فيه تسمية جواثا قرية، وهذه التسمية هي عرف الصدر الأول، وهو لغة القرآن في قوله تعالى:

وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم

[الزخرف: 31] أي مكة والطائف، ومكة بلا شك مصر، وفي الصحاح أن جواثا حصن بالبحرين، فهي مصر إذ الحصن لا يخلو عن حاكم عليهم وعالم، أما صلاة أبي أمامة فلم تكن عن علم ولا تقرير من النبي صلى الله عليه وسلم، ولا كانت شرعت الجمعة آنذاك، فلا حجة فيه. والذي يقتضيه النظر بين هذه الأقوال والله تعالى أعلم: أن رأي الجمهور أرجح. ويتمشى مع قواعد مذهب أبي حنيفة في الجملة، لأن الأحناف يتفقون مع الجمهور على تسمية المصر قرية كشمية الطائف ومكة قرى.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٢٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٢٩٧