يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام
[البقرة: 183].
وقوله تعالى (فاسعوا) الواو فيه للجميع، وإن كانت للمذكر إلا أنها عائدة إلى الموصول السابق وهو عام كما تقدم، فيكون طلب السعي متجها إلى كل مكلف إلا ما أخرجه الدليل.
وقد أخرج الدليل من هذا العموم أصنافا، منها: المتفق عليه، ومنها المختلف فيه.
فمن المتفق عليه: ما أخرج من عموم خطاب التكليف كالصغير والنائم والمجنون لحديث
" رفع القلم عن ثلاثة "
وما خرج من خصوص الجمعة، كالمرأة إجماعا فلا جمعة على النساء.
وكالمريض فلا جمعة عليه اتفاقا كذلك.
وهو من يشق عليه أو يزيد مرضه، ومن يمرضه تابع له. وقد اختلف في المسافر والمملوك. ومن في حكم المسافر وهم أهل البوادي.
قال القرطبي: قوله تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا ﴾ خطاب للمكلفين بإجماع ويخرج منه المرضى، والزمنى، والعبيد، والنساء، بالدليل والعميان، والشيخ الذي لا يمشي إلا بقائد عند أبي حنيفة.
روى أبو الزبير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة إلا مريضا، أو مسافرا، أو امرأة، أو صبيا، أو مملوكا، فمن استغنى بلهو، أو تجارة، استغنى الله عنه، والله غني حميد "
خرجه الدارقطني اه.
ويشهد لما رواه القرطبي ما رواه ابن حجر في بلوغ المرام عن طارق بن شهاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: مملوكا وامرأة، وصبيا، ومريضا "
، رواه أبو داود.
وقال: طارق لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم: وذكر أبو داود أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه، وأخرجه الحاكم من رواية طارق المذكور عن أبي موسى اه.
قال الصنعاني: يريد المؤلف بهذا، أي برواية عن أبي موسى أنه أصبح متصلا.
قال: وفي الباب عن تميم الداري وابن عمر ومولى لابن الزبير رواه البيهقي وناقش سنده.
وقال: وفيه أيضا من حديث أبي هريرة مرفوعا " خمسة لا جمعة عليهم: المرأة والمسافر والعبد والصبي وأهل البادية " اه.
وقد ذكر صاحب المنتقى. حديث طارق كما ساقه صاحب البلوغ، وقال الشوكاني فيه: قال الحافظ وصححه غير واحد.
وقال الخطابي: ليس إسناد هذا الحديث بذاك، وذكر صحبة طارق، ونقل قول العراقي، فإذا ثبتت صحبته فالحديث صحيح، وغايته أن يكون مرسل صحابي وهو حجة عند الجمهور، إنما خالف فيه أبو إسحاق الاسفرائيني، بل ادعى بعض الأحناف الإجماع على أن مرسل الصحابي حجة اه.
وقال الشوكاني: على أنه قد اندفع الإعلال: بالإرسال بما في رواية الحاكم من ذكر أبي موسى إلى آخره، أي صار موصولا، كما قال ابن حجر سابقا.
ووجه حجية مرسل الصحابي عندهم. هو أن الصحابي إذا أرسل الحديث ولم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم واسطة وتلك الواسطة هي صحابي آخر والصحابي ثقة، فتكون الواسطة الساقطة ثقة، فيصح الحديث، ولذا دعي بعض الأحناف أن مرسل الصحابي حجة لهذا السبب، وعلى هذا مناقشة أهل الحديث والتفسير لهذه المسألة، وبالتأمل في الآية الكريمة وعموم السياق يظهر من مجموعه شهادة القرآن، إلى صحة ذلك لدلالة الإيماء.
أما عن النساء ففيه الإجماع كما تقدم، ويشهد له أن الدعوة إلى السعي إلى الجمعة، وترك البيع من أجلها، ثم الانتشار بعدها في الأرض والابتغاء من فضل الله بالعمل والكسب يشعر بأن هذا كله للرجال، لأن المرأة محلها في بيتها، كما في قوله تعالى:
وقرن في بيوتكن
[الأحزاب: 33].
وتقدم لفضيلة والدنا الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، مبحث مفصل استدل بدليل قرآن على سقوط الجمعة عن النساء، وذلك عند قوله تعالى:
في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال