تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم - يعني الجمعة - فاختلفوا فيه، فهدانا الله له فالناس لنا فيه تبع "

إلى أن قال: والتنزيل ثم السنة يدلان على إيجاب الجمعة، وقال: ومن كان مقيما ببلد تجب فيه الجمعة من بالغ حر لا عذر له وجبت عليه الجمعة. فهذه نصوص الشافعي عامة في الوجوب وخاصة في الأعيان، وهذا بيان كاف لمذهب الشافعي رحمه الله من نص كتابه الأم اه.

الحديث الذي استدل به الشافعي رحمه الله

" نحن الآخرون السابقون "

هو عين الحديث الذي بوب عليه البخاري وجوب الجمعة، ووجه الاستدلال منه قوله صلى الله عليه وسلم:

" ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم "

ففيه التنصيص على الفرضية.

أما الأحناف، فقال في شرح الهداية ما نصه: وقد نسب إلى مذهب أبي حنيفة أنها ليست بفرض.

ثم قال: وهذا من جهلهم، وسبب غلطهم قول القدوري: ومن صلى الظهر يوم الجمعة في منزله ولا عذر له كره له ذلك وجازت صلاته، وإنما أراد حرم عليه وصحت الظهر بترك الفرض. إلى آخره.

ثم قال: وقد صرح أصحابنا بأنها فرض آكد من الظهر، وذكر أول الباب، اعلم أن الجمعة فريضة محكمة بالكتاب والسنة والإجماع، فحكي الإجماع على وجوبها وجهل من نسب إلى مذهبهم القول بعدم فرضيتها، وهذه أيضا حقيقة مذهب أبي حنيفة رحمه الله، وأنها عند أصحابه آكد من الظهر.

أما الحنابلة. فقال في المغني ما نصه: الأصل في فرض الجمعة الكتاب والسنة والإجماع، وساق الآية ﴿ إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ﴾ الآية، وقال بعدها: فصل: وتجب الجمعة والسعي إليها سواء كان من يقيمها سنيا أو مبتدعا أو عدلا أو فاسقا، نص عليه أحمد، وهذا أعم وأشمل، حتى مع الإمام غير العادل وغير السني.

فهذه نصوص المذاهب الأربعة في وجوب الجمعة وفرضها على الأعيان. فلم يبق لأحد بعد ذلك أدنى شبهة يلتمسها من أي مذهب، ولا تتبع شواذه للتهاون بفرض الجمعة لنيابة الظهر عنها.

ثم اعلم أن في الآية قرينة على هذا الوجوب وأنه لا صارف للأمر عن وجوب السعي إليها، وذلك أن مع الأمر بالسعي إليها الأمر بترك البيع والنهي عنه، إذا كان ترك البيع واجبا من أجلها فما وجب هو من أجله كان وجوبه هو أولى، قال في المغني: فأمر بالسعي، ويقتضي الأمر الوجوب ولا ويجب السعي إلا إلى الواجب، ونهي عن البيع لئلا يشغل به عنها، فلو لم تكن واجبة لما نهي عن البيع من أجلها، وهو واضح كما ترى والأحاديث في الوعيد لتاركها بدون عذر مشهور تؤكد هذا الوجوب.

من ذلك حديث أبي الجعد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" من ترك ثلاث جمع تهاونا بها طبع الله عليه قلبه "

رواه أبو داود، وسكت عنه.

وفي المنتقى، قال: رواه الخمسة أي ما عدا البخاري ومسلما، وفي المنتقى عن أبي هريرة وابن عمر رضي الله عنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على أعواد منبره:

" لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين "

رواه مسلم.

وعن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال لقوم يتخلفون عن الجمعة:

" لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم "

رواه أحمد ومسلم.

وقد فسر الطبع في حديث أبي الجعد بأنه طبع النفاق، كما في قوله تعالى في سورة المنافقون

ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون

[المنافقون: 3]، وقيل: طبع ضلال، كما في الحديث: ثم يكون أي القلب كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا. نسأل الله العافية والسلامة لنا ولجميع المسلمين والتوفيق لفضل هذا اليوم الذي خص الله به هذه الأمة.

مسألة

من المخاطب بالسعي هنا، أي من الذي تجب عليه الجمعة تستهل الآية الكريمة بقوله تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا ﴾ ، وهو نداء عام لكل مؤمن ذكر وأنثى، وحر، وعبد صحيح ومريض، فشمل كل مكلف على الإطلاق كقوله تعالى:

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٢٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٢٩٤