تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبالتأمل في هذه الأقوال الثلاثة نجدها متلازمة لأن العمل أعم من السعي، والسعي أخص، فلا تعارض بين أعم وأخص، والنية شرط في العمل، وأولى هذه الأقوال كلها ما جاء في قراءة عمر رضي الله عنه الصحيحة: فامضوا.

فهي بمنزلة التفسير للسعي.

وروي عن الفراء: أن المضي والسعي والذهاب في معنى واحد، والصحيح أن السعي يتضمن معنى زائدا وهو الجد والحرص على التحصيل، كما في قوله تعالى:

والذين سعوا في آياتنا معاجزين

[الحج: 51] بأنهم حريصون على ذلك: وهو أكثر استعمالات القرآن.

قال الراغب الأصفهاني: السعي المشي السريع، وهو دون العدو، ويستعمل للجد في الأمر خيرا كان أو شرا، قال تعالى:

وسعى في خرابهآ

[البقرة: 114].

وإذا تولى سعى في الأرض

[البقرة: 205].

ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها

[الإسراء: 19]. وجمع الأمرين الخير والشر

وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى

[النجم: 39-40] وهو ما تشهد له اللغة، كما في قول زهير بن أبي سلمى:

سعى ساعيا غيظ ابن مرة بعدما

تبزل ما بين العشيرة بالدم

وكقول الآخر:

إن أجز علقمة بن سعد سعيه

لا أجزه ببلاء يوم واحد

تنبيه

من هذا كله يظهر أن السعي هو المضي مع مراعاة ما جاء في السنة من الحث على السكينة والوقار.

لحديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

" إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا "

وهذا أمر عام لكل آت إلى كل صلاة ولو كان الإمام في الصلاة لحديث أبي قتادة عند البخاري قال:

" بينا نحن نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمع جلبة رجال فلما صلى قال: " ما شأنكم "؟ قالوا: استعجلنا إلى الصلاة، قال: " فلا تفعلوا إذا أتيتم الصلاة فامشوا وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا "

اه.

وكذلك حديث

" أبي بكرة رضي الله عنه لما ركع خلف الصف ودب حتى دخل في الصف وهو راكع، فقال له صلى الله عليه وسلم: " زادك الله حرصا، ولا تعد "

على رواية تعد من العود.

وهنا يأتي مبحث بم تدرك الجمعة؟

الأقوال في القدر الذي به تدرك الجمعة ثلاثة، وتعتبر طرفين وواسطة.

الطرف الأول: القول بأنها لا تدرك إلا بإدراك شيء من الخطبة، هذا ما حكاه ابن حزم عن مجاهد وعطاء وطاوس وعمر، ولم يذكر له دليلا.

والقول الآخر: تدرك ولو بالجلوس مع الإمام قبل أن يسلم، وهو مذهب أبي حنيفة رحمة الله: ومذهب ابن حزم، بل عند أبي حنيفة رحمه الله: أنه لو أن الإمام سها وسجد، وفي سجود السهو أدركه المأموم لأدراك الجمعة بإدراكه سجود السهو مع الإمام، لأنه منها، ولكن خالف الإمام أبا حنيفة صاحبه محمد على ما سيأتي.

والقول الوسط هو قول الجمهور: أنها تدرك بإدراك ركعة كاملة مع الإمام، وذلك بإدراكه قبل أن يرفع رأسه من الركوع في الركعة الثانية، فحينئذ يصلي مع الإمام ركعة ثم يضيف إليها أخرى وتتم جمعته بركعتين، وإلا صلى ظهرا.

أما الراجح من ذلك فهو قول الجمهور للأدلة الآتية:

أولا أن القول الأول لا دليل عليه أصلا، ويمكن أن يلتمس لقائله شبهة من قوله تعالى: ﴿ إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ لحمل ذكر الله على خصوص الخطبة لقوله تعالى بعدها ﴿ فإذا قضيت الصلاة ﴾ [الجمعة: 10].

فسمى الصلاة في الأول بالنداء إليها، وسمى الصلاة أخيرا بانقضائها، وذكر الله جاء بينهما ولكن يرده استدلال الجمهور الآتي.

والقول الثاني: وهو قول أبي حنيفة رحمه الله وابن حزم استدل له بحديث

" فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا "

والجمعة ركعتان فقط، فإتمامها بتمام ركعتين، واعتبروا إدراك أي جزء منها إدراكا لها، وقد خالف أبا حنيفة في ذلك صاحبه محمد لأدلة الجمهور الآتية:

وأدلة الجمهور من جانبين:

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٢٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٢٩١