تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما أصحاب الجنة فهم المؤمنون كقوله تعالى:

إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزآء بما كانوا يعملون

[الأحقاف: 13-14] وقد جمع القسمين في قوله تعالى

بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون

[البقرة: 81-82].

كما جاء مثل هذا السياق كاملا متطابقا فيفسر بعضه بعضا كما قدمنا، وذلك في سورة التوبة قال تعالى

المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم

[التوبة: 67-68].

فهذه أقسام الكفر والنفاق، وأخص أصحاب النار والاختصاص من الخلود فيها ولعنهم وهي حسبهم، وهم الذين نسوا الله فنسيهم، وهم عين من ذكر في هذه السورة سورة الحشر، ثم جاء مقابلة تماما في نفس السياق في قوله تعالى:

والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليآء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم

[التوبة: 71-72].

وهذه أيضا أخص صفات أهل الجنة، من الرحمة والرضوان، والخلود، والإقامة الدائمة في جنات عدن، إذ العدن الإقامة الدائمة، ومنها المعدن لدوام إقامته في مكانه، ورضوان من الله أكبر.

ثم يأتي الختام في المقامين متحدا، وهو الحكم بالفوز لأصحاب الجنة، ففي آية التوبة

ذلك هو الفوز العظيم

[التوبة: 72] وفي آية الحشر ﴿ أصحاب الجنة هم الفآئزون ﴾ ، وبهذا علم من هم أصحاب النار، ومن هم أصحاب الجنة.

وتبين ارتباط هذه المقابلة بين هذين الفريقين، وبين ما قبلهم ممن نسوا فأنساهم أنفسهم، ومن اتقوا الله وقدموا لغدهم، وبهذا يعلم أن عصاة المسلمين غير داخلين هنا في أصحاب النار، لما قدمنا من أن أصحاب النار هم المختصون بها ممن كفروا بالله وكذبوا بآياته، وكما يشهد لهذا قوله تعالى:

وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا

[مريم: 71-72]، والظالمون هنا هم المشركون في ظلمهم أنفسهم.

وبهذا يرد على المعتزلة أخذهم من هذه الآية عدم دخول أصحاب الكبيرة الجنة على أنهم في زعمهم لو دخلوها لاستووا مع أصحاب الجنة.

وهذا باطل كما قدمنا، ومن ناحية أخرى يرد بها عليهم، وهي أن يقال: إذا خلد العصاة في النار على زعمكم مع ما كان منهم من إيمان بالله وعمل صالح فماذا يكون الفرق بينهم وبين الكفار والمشركين، وتقدم قوله تعالى:

أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض

[ص: 28].

وقد بحث الشيخ رحمة الله تعالى عليه، مسألة بقاء العصاة وخروجهم من النار وخلود الكفار فيها بحثا واسعا في دفع إيهام الاضطراب في سورة الأنعام فليرجع إليه.

وقد استدل الشافعي رحمه الله، بهذه الآية أن المسلم لا يقتل بالذمي ولا بكافر لأنهما لا يستويان، وأن الكفار لا يملكون أموال المسلمين بالهقر. ذكره الزمخشري.

وهذا وإن كان حقا إلا أن أخذه من هذه الآية فيه نظر، لأنها في معرض المقارنة للنهاية يوم القيامة.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٢٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٢٣٢