تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

58.14

قوله تعالى: ﴿ ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ﴾

قال بعض أهل العلم: معنى ﴿ ألم تر إلى الذين تولوا ﴾: ألم ينته علمك إلى الذين تولوا.

وقد قدمنا الرد على من قال: إن لفظة ﴿ ألم تر ﴾ لا تعدى إلا بحرف الجر الذي هو إلى، ولا تتعدى بنفسها إلى المفعول، وبينا أن ذلك وإن كان هو الذي في القرآن في جميع المواضع فإن تعديتها إلى المفعول بنفسها صحيحة.

ومن شواهد ذلك قول امرئ القيس:

ألم ترياني كلما جئت طارقا

وجدت بها طيبا وإن لم تطيب

والمراد إنكار الله على المنافقين توليهم القوم الذين غضب الله عليهم، وهم اليهود والكفار، وهذا الإنكار يدل على شدة منع ذلك التولي، وقد صرح الله بالنهي عن ذلك في قوله تعالى:

يأيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم

[الممتحنة: 13].

وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون المنافقين ليسوا من المؤمنين، ولا من القوم الذين تولوهم وهم الذين غضب الله عليهم من اليهود، جاء موضحا في غير هذا الموضع كقوله تعالى:

إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم

[النساء: 142] - إلى قوله -

مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء

[النساء: 143].

58.16

ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن المنافقين اتخذوا أيمانهم جنة والأيمان جمع يمين، وهي الحلف، والجنة هي الترس الذي يتقي به المقاتل وقع السلاح، والمعنى أنهم جعلوا الإيمان الكاذبة، وهي حلفهم للمسلمين أنهم معهم وأنهم مخلصون في باطن الأمر، ترسا لهم يتقون به الشر الذي ينزل بهم لو صرحوا بكفرهم، وقوله تعالى ﴿ فصدوا عن سبيل الله ﴾ الظاهر أنه من صد المتعدية، وأن المفعول محذوف أي فصدوا غيرهم ممن أطاعهم لأن صدودهم في أنفسهم دل عليه قوله ﴿ اتخذوا أيمانهم جنة ﴾ والحمل على التأسيس أولى من الحمل على التأكيد، كما أوضحناه مرارا.

وهذان الأمران اللذان تضمنتهما هذه الآية الكريمة وهما كون المنافقين يحلفون الأيمان الكاذبة لتكون لهم جنة، وأنهم يصدون غيرهم عن سبيل الله جاءا موضحين في آيات أخر من كتاب الله، أما أيمانهم الكاذبة فقد بينها الله جل وعلا في آيات كثيرة، كقوله تعالى في هذه السورة

ويحلفون على الكذب وهم يعلمون

[المجادلة: 14]، وقوله تعالى

يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه

[التوبة: 62] الآية، وقوله تعالى

سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم

[التوبة: 95] الآية. وقوله تعالى

وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون

[التوبة: 42] وقوله تعالى

اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم سآء ما كانوا يعملون

[المنافقون: 2].

وأما صدهم من أطاعهم عن سبيل الله فقد بينه الله في آيات من كتابه كقوله تعالى

قد يعلم الله المعوقين منكم والقآئلين لإخوانهم هلم إلينا

[الأحزاب: 18]، وقوله تعالى:

يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا

[آل عمران: 156]، وقوله تعالى:

الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا

[آل عمران: 168]، وقوله تعالى:

وإن منكم لمن ليبطئن

[النساء: 72].

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿ فلهم عذاب مهين ﴾ ، أي لأجل نفاقهم، كما قال تعالى

إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار

[النساء: 145] الآية.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢١٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢١٩٤