تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإطعام ستين مسكينا

[المجادلة: 4] ويؤيد ذلك أن القرآن أشار إلى اعتبار أوسط قوت أهله في كفارة اليمين في قوله تعالى:

فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم

[المائدة: 89] وهذا مذهب الشافعي واختيار أبي الخطاب من الحنابلة.

الفرع السادس عشر: اعلم أن أكثر أهل العلم على أن الإطعام لا يجب فيه التتابع، لأن الله تعالى أطلقه عن قيد التتابع، ولأن أكثر أهل الأصول، على أن المطلق لا يحمل على المقيد إن اتحد سببهما واختلف حكمهما، كما في هذه المسألة. ولا سيما على القول الأصح في حمل المطلق على المقيد أنه من قبيل القياس، لامتناع قياس فرع على أصل مع اختلافهما في الحكم كما هو معروف في محله.

الفرع السابع عشر: اعلم أن أهل العلم اختلفوا فيما إذا جامع المظاهر زوجته التي ظاهر منها في أثناء الإطعام، هل يلزمه إعادة ما مضى من الإطعام، لبطلانه بالجماع قبل إتمام الإطعام، أو لا يلزمه ذلك؟ فقال بعض أهل العلم: لا يلزمه ذلك لأن جماعه في أثناء ما لا يشترط فيه التتابع، فلم يوجب الاستئناف، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد. وأما مذهب مالك: فهو أنه يستأنف الإطعام لأنه جامع في أثناء كفارة الظهار، فوجب الاستئناف كالصيام والأول أظهر، لأن الواقع من الإطعام قبل جماعه يحتاج بطلانه وإلغاؤه إلى دليل يجب الرجوع إليه وليس موجودا. والعلم عند الله تعالى.

الفرع الثامن عشر: إذا قالت المرأة لزوجها أنت علي كظهر أبي، وقالت: إن تزوجت فلانا، فهو علي كظهر أبي، فهل يكون ذلك ظهارا منها أو لا؟ فقال أكثر أهل العلم: لا يكون ظهارا. وهو قول الأئمة الأربعة، وأصحابهم، وإسحاق، وأبي ثور وغيرهم، وقال بعض أهل العلم: تكون مظاهرة وبه قال الزهري والأوزاعي وروي عن الحسن والنخعي. إلا أن النخعي قال: إذا قالت ذلك بعد ما تزوج، فليس بشيء. اه. والتحقيق أن المرأة لا تكون مظاهرة، لأن الله جل وعلا لم يجعل لها شيئا من الأسباب المؤدية لتحريم زوجها عليها، كما لا يخفى.

تنبيه

اعلم أن الجمهور القائلين: إن المرأة لا تكون مظاهرة. اختلفوا فيما يلزمها إذا قالت ذلك، إلى ثلاثة مذاهب.

الأول: أن عليها كفارة ظهار، وإن كانت غير مظاهرة.

والثاني: أن عليها كفارة يمين.

والثالث: لا شيء عليها، واحتج من قال بأن عليها كفارة ظهار، وهو رواية عن أحمد: بأنها قالت منكرا من القول وزورا، فلزمها أن تكفر عنه كالرجل، وبما روى الأثرم بإسناده عن إبراهيم، عن عائشة بنت طلحة قال: إن تزوجت مصعب بن الزبير فهو علي كظهر أبي، فسألت أهل المدينة، فرأوا أن عليها الكفارة، وبما روى علي بن مسهر عن الشيباني، قال: كنت جالسا في المسجد، أنا وعبد الله بن معقل المزني، فجاء رجل حتى جلس إلينا فسألته من أنت فقال: أنا مولى عائشة بنت طلحة التي أعتقتني عن ظهارها، خطبها مصعب بن الزبير، فقالت: هو علي كظهر أبي إن تزوجته، ثم رغبت فيه، فاستفتت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم يومئذ كثير. فأمروها أن تعتق رقبة، وتتزوجه، فأعتقتني وتزوجته. وروى سعيد هذين الأثرين مختصرين اه من المغني. وانظر إسناد الأثرين المذكورين.

وأما الذين قالوا: تلزمها كفارة يمين، وهو قول عطاء، فقد احتجوا بأنها حرمت على نفسها زوجها وهو حلال لها، فلزمتها كفارة اليمين اللازمة في تحريم الحلال المذكورة في قوله تعالى:

قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم

[التحريم: 2] بعد قوله:

لم تحرم مآ أحل الله لك

[التحريم: 1]. وأما الذين قالوا: لا شيء عليها، ومنهم الشافعي، ومالك، وإسحاق، وأبو ثور وغيرهم، فقد احتجوا بأنها قالت: منكرا من القول وزورا، فلم يوجب عليها كفارة، كالسب والقذف ونحوهما من الأقوال المحرمة الكاذبة.

وأظهر أقوالهم عندنا: أن من يرى في تحريم الحلال كفارة يمين يلزمها على قوله كفارة يمين، ومن يرى أنه لا شيء فيه، فلا شيء عليها على قوله، وقد قدمنا أهل العلم في تحريم الحلال في الحج، وفي هذا المبحث. اه.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٧٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٧٤٩