تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر أقوال أهل العلم عندي مع كثرتها وانتشارها: أن التحريم ظهار، سواء كان منجزا أو معلقا، لأن المعلق على شرط من طلاق أو ظهار يجب بوجود الشرط المعلق عليه، ولا ينصرف إلى اليمين المكفرة على الأظهر عندي، وهو قول أكثر أهل العلم.

وقال مالك في الموطأ: فقال القاسم بن محمد: إن رجلا جعل امرأة عليه كظهر أمه إن هو تزوجها فأمره عمر بن الخطاب إن هو تزوجها، ألا يقربها حتى يكفر كفارة المتظاهر. اه.

ثم قال: وحدثني عن مالك: أنه بلغه أن رجلا سأل القاسم بن محمد وسليمان بن يسار عن رجل تظاهر من امرأة قبل أن ينكحها، فقالا: إن نكاحها فلا يمسها حتى يكفر كفارة المتظاهر. اه.

والمعروف عن جماهير أهل العلم أن الطلاق المعلق يقع بوقوع المعلق عليه، وكذلك الظهار.

وأما الأمة فالأظهر أن في تحرمها كفارة اليمين أو الاستغفار، كما دلت عليه آية سورة التحريم كما تقدم إيضاحه. والعلم عند الله تعالى.

المسألة الثانية عشرة: اعلم أن العلماء اختلفوا في العبد والذمي هل يصح منهما ظهار؟ وأظهر أقوالهم عندي في ذلك: أن العبد يصح منه الظهار، لأن الصحيح دخوله في عموم النصوص العامة، إلا ما أخرجه منه دليل خاص، كما تقدم، وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود:

والعبد والموجود والذي كفر

مشمولة له لدى ذوي النظر

وعليه فهو داخل في عموم قوله:

والذين يظاهرون من نسآئهم

[المجادلة: 3] ولا يقدح في هذا أن قوله:

فتحرير رقبة

[المجادلة: 3] لا يتناوله، لأنه مملوك لا يقدر على العتق لدخوله في قوله:

فمن لم يجد فصيام شهرين

[المجادلة: 4] فالأظهر صحة ظهار العبد وانحصار كفارته في الصوم، لعدم قدرته على العتق والإطعام، وأن الذمي لا يصح ظهاره، لأن الظهار منكر من القول وزور يكفره الله بالعتق أو الصوم أو الإطعام، والذمي كافر والكافر لا يكفر عنه العتق أو الصوم أو الإطعام ما ارتكبه من المنكر والزور لكفره، لأن الكفر سيئة لا تنفع معها حسنة والعلم عند الله تعالى.

المسألة الثالثة عشرة: اعلم أن أهل العلم اختلفوا في الظهار الموقت كأن يقول: أنت علي كظهر أمي شهرا، أو حتى ينسلخ شهر رمضان مثلا فقال بعض أهل العلم: يصح الظهار المؤقت، وإذا مضى الوقت زال الظهار وحلت المرأة بلا كفارة، ولا يكون عائدا بالوطء بعد انقضاء الوقت.

قال في المغني: وهذا قول أحمد وبه قال ابن عباس، وعطاء، وقتادة والثوري، وإسحاق، وأبو ثور وأحد قولي الشافعي، وقوله الأخير لا يكون ظهارا وبه قال ابن أبي ليلى، والليث، لأن الشرع ورد بلفظ الظهار مطلقا، وهذا لم يطلق فأشبه ما لو شبهها بمن تحرم عليه في وقت دون وقت. وقال طاوس: إذا ظاهر في وقت فعليه الكفارة، وإن بر وقال مالك: يسقط التوقيت ويكون ظهارا مطلقا، لأن هذا اللفظ يوجب تحريم الزوجة، فإذا وقته لم يتوقت كالطلاق.

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أقرب الأقوال عندي للصواب في هذه المسألة قول من قال إن الظهار الموقت يصح ويزول بانقضاء الوقت، لأنه جاء ما يدل عليه عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث حسنه الترمذي، وصححه ابن خزيمة وابن الجارود، وبعض طرقه لا يقل عن درجة الحسن، وإن أعل عبد الحق وغيره بعض طرقه بالإرسال، لأن حديثا صححه بعض أهل العلم أقرب للصواب مما لم يرد فيه شيء أصلا.

قال أبو داود في سننه: حدثنا عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن العلاء المعنى قالا: ثنا ابن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، قال ابن العلاء بن علقمة بن عياش، عن سليمان بن يسار، عن سلمة بن صخر قال ابن العلاء البياضي قال: كنت امرأ أصيب من النساء ما لا يصيب غيري، فلما دخل شهر رمضان خفت أن أصيب من امرأتي شيئا يتايع بي، حتى أصبح، فظاهرت منها حتى ينسلخ شهر رمضان فبينا هي تخدمني ذات ليلة إذ تكشف لي منها شيء فلم ألبث أن نزوت عليها فلما أصبحت خرجت إلى قومي، فأخبرتهم الخبر. الحديث بطوله، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بعتق رقبة، فذكر أنه لا يجد رقبة، فأمره بصيام شهرين فذكر أنه لا يقدر، فأمره بإطعام ستين مسكينا، فذكر كذلك فأعطاه صلى الله عليه وسلم صدقة قومه بني زريق من التمر، وأمره أن يطعم وسقا منها ستين مسكينا ويستعين بالباقي. ومحل الشاهد من الحديث: أنه ظاهر من امرأته ظهارا مؤقتا بشهر رمضان، وجامع في نفس الشهر الذي جعله وقتا لظهاره، فدل ذلك على أن الظهار الموقت يصح، ويلزم ولو كان توقيته لا يصح لبين صلى الله عليه وسلم ذلك، ولو كان يتأبد ويسقط حكم التوقيت لبينه صلى الله عليه وسلم لأن البيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة إليه.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٧٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٧٣٧