قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر جريان هذه المسألة على مسألة أصولية فيها لأهل الأصول ثلاثة مذاهب، وهي في حكم ما إذا دار اللفظ بين الحقيقة العرفية والحقيقة اللغوية، على أيهما يحمل. والصحيح عند جماعات من الأصوليين: أن اللفظ يحمل على الحقيقة الشرعية أولا إن كانت له حقيقة شرعية، ثم إن لم تكن شرعية حمل على العرفية ثم اللغوية، وعن أبي حنيفة: أنه يحمل على اللغوية قبل العرفية، وقال: لأن العرفية، وإن ترجحت بغلبة الاستعمال فإن الحقيقة اللغوية مترجحة بأصل الوضع.
القول الثالث: أنهما لا تقدم إحداهما على الأخرى بل يحكم باستوائهما فيكون اللفظ مجملا لاستواء الاحتمالين فيهما فيحتاج إلى بيان المقصود من الاحتمالين بنية أو دليل خارج. وإلى هذه المسألة أشار في مراقي السعود بقوله:
واللفظ محمول على الشرعي
إن لم يكن فمطلق العرفي
فاللغوي على الجلي ولم يجد
بحث عن المجاز في الذي انتخب
ومذهب النعمان عكس ما مضى
والقول بالإجمال فيه مرتضى
وإذا علمت ذلك، فاعلم أن قول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أبي مثلا لا ينصرف في الحقيقة العرفية، إلى الاستمتاع بالوطء أو مقدماته، لأن العرف ليس فيه استمتاع بالذكور، فلا يكون فيه ظهار. وأما على تقديم الحقيقة اللغوية، فمطلق تشبيه الزوجة بمحرم ولو ذكرا، يقتضي التحريم فيكون بمقتضى اللغة له حكم الظهار، والظاهر أن قوله: أنت علي كالميتة والدم، وكظهر البهيمة، ونحو ذلك، كقوله: أنت علي كظهر أبي فيجري على حكمه. والعلم عند الله تعالى.
المسألة الرابعة: اعلم أن قول الرجل لامرأته أنت علي حرام، أو إن دخلت الدار فأنت حرام، ثم دخلتها فيها للعلماء نحو عشرين قولا كما هو معروف في محله.
وقد دلت آية الظهار هذه على أن أقيس الأقوال، وأقربها لظاهر القرآن قول من قال: إن تحريم الزوجة ظهار، تلزم فيه كفارة الظهار، وليس بطلاق.
وإيضاح ذلك: أن قوله: أنت علي كظهر أمي معناه: أنت علي حرام: وقد صرح تعالى بلزوم الكفارة في قوله: انت علي كظهر أمي، ولا يخفى أن أنت علي حرام مثلها في المعنى كما ترى.
وقال في المغني: وذكر إبراهيم الحربي عن عثمان وابن عباس: وأبي قلابة، وسعيد بن جبير، وميمون بن مهران، والبتي. أنهم قالوا: التحريم ظهار. اه. وأقرب الأقوال بعد هذا لظاهر القرآن القول بكفارة اليمين، والاستغفار لقوله:
قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم
[التحريم: 2] وقوله:
والله غفور رحيم
[البقرة: 218] و [آل عمران: 129] و [النساء: 25] و [الأنفال: 70] و [التوبة: 27] و [الحديد: 12] و [الممتحنة: 7] و [التحريم: 1] بعد قوله: لم تحرم الآية.
المسألة الخامسة: الأظهر أن قوله: أنت عندي أو مني أو معي كظهر أمي لا فرق بينه وبين قوله: أنت علي كظهر أمي فهو ظهار كما قاله غير واحد، وهو واضح كما ترى.
المسألة السادسة: أظهر أقوال أهل العلم عندي فيمن قال لامرأته: أنت علي كأمي أو مثل أمي، ولم يذكر الظهر أنه لا يكون ظهارا إلا أن ينوي به الظهار، لاحتمال اللفظ معاني أخرى غير الظهار، مع كون الاستعمال فيها مشهورا، فإن قال: نويت به الظهار، فهو ظهار في قول عامة العلماء. قاله في المغني، وإن نوى به أنها مثلها في الكرامة عليه والتوقير أو أنها مثلها في الكبر أو الصفة فليس بظهار والقول قوله في نيته. قاله في المغني.
وأما إن لم ينو شيئا فقد قال في المغني: وإن أطلق، فقال أبو بكر هو صريح في الظهار، وهو قول مالك، ومحمد بن الحسن. وقال ابن أبي موسى: فيه روايتان أظهرهما: أنه ليس بظهار حتى ينويه، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي، لأن هذا اللفظ يستعمل في الكرامة أكثر مما يستعمل في التحريم، فلم ينصرف إليه بغير نية ككنايات الطلاق. انتهى منه.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: وهذا القول هو الأظهر عندي، لأن اللفظ المذكور، لا يتعين للظهار لا عرفا ولا لغة، إلا لقرينة تدل على قصده الظهار.