تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال تميم: فلما أسلمت، بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة تأثمت من ذلك. فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر، ودفعت إليهم خمسمائة درهم. وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها. فوثبوا عليه. فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يستحلفوه بما يحكم به على أهل دينه. فحلف فنزلت:

يآ أيها الذين آمنوا شهادة بينكم

[المائدة: 106] - إلى قوله -: ﴿ فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما ﴾ فقام عمرو بن العاص ورجل آخر منهم فحلفا. فنزعت الخمسمائة من عدي بن بداء.

وهكذا رواه الترمذي وابن جرير عن محمد بن إسحاق به، فذكره.

وعنده: فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم البينة فلم يجدوا. فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه فحلف. فأنزل الله هذه الآية. فقام عمرو بن العاص ورجل آخر فحلفا. فنزعت الخمسمائة من عدي بن بداء.

ثم تكلم الترمذي على إسناده. وأسند بعد ذلك هذه القصة مختصرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء. فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم. فلما قدما بتركته فقدوا جاما من فضة مخوصا بذهب. فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم وجد الجام بمكة. فقيل: اشتريناه من تميم وعدي. فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما. وأن الجام لصاحبهم. وفيهم نزلت هذه الآية. وكذا رواه أبو داود. ثم قال الترمذي: حديث حسن غريب.

وأقول: أخرجه البخاري أيضا في كتاب (الوصايا) تحت باب عقده لهذه الآية بخصوصها.

و (الجام): الإناء, وتخويصه أن يجعل عليه صفائح من ذهب كخوص النخل.

قال ابن كثير: وقد ذكر هذه القصة مرسلة غير واحد من التابعين. منهم عكرمة ومحمد بن سيرين وقتادة. وذكروا أن التحليف كان بعد صلاة العصر. رواه ابن جرير. وكذا ذكرها مرسلة مجاهد والحسن والضحاك. وهذا يدل على اشتهارها في السلف وصحتها.

ومن الشواهد لصحة هذه القصة ما رواه ابن جرير بإسنادين صحيحين, وأبو داود بإسناد - رجاله ثقات - عن الشعبي: أن رجلا من المسلمين حضرته الصلاة بدقوقاء, قال: فحضرته الوفاة - ولم يجد أحدا من المصلين يشهده على وصيته - فأشهد رجلين من أهل الكتاب؛ قال: فقدما الكوفة فأتيا أبا موسى الأشعري رضي الله عنه فأخبراه. وقدما الكوفة بتركته ووصيته، فقال الأشعري: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فأحلفهما بعد العصر بالله ما خانا ولا كذبا ولا بدلا كتما ولا غيرا، وإنها لوصية الرجل وتركته. قال: فأمضى شهادتهما.

وقوله: (هذا أمر لم يكن بعد الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم) الظاهر - والله أعلم - أنه إنما أراد بذلك قصة تميم وعدي بن بداء.

ثم بين وجه الحكمة والمصلحة المتقدم تفصيله بقوله:

﴿ ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجههآ أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم... ﴾.

محاسن التأويل · الصفحة ٩٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٩٤٧