تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" ألم آتكم بها بيضاء نقية؟ والله لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي "

فإن قيل: وكيف يحثهم الله على العمل بأي شيء من دينهم، ومنه ما جاء القرآن ناسخا له؟ قلت: لا شك عند كل عاقل أنه خير لأهل الكتاب أن يعملوا بشرائع دينهم الأصلية، فإنهم حينئذ يتجنبون الكذب والتحريف والعناد والأذى والإفساد في الأرض وإهلاك الحرث والنسل والزنى، وغير ذلك مما يعمله الناس. فمراد القرآن على التفسير الأول للآية حثهم - إن أصروا على عدم الإيمان به - على العمل بدينهم على الأقل ليستريح النبي وأتباعه من أكثر شرورهم ورذائلهم. ولكن بعد العمل بدينهم لا يكونون على الدين الحق الكامل؛ بل الذي يفهم من الآية أنهم يكونون على شيء من الدين، وهو - ولا شك - خير من لا شيء. ولا يفهم أنهم يكونون على الحق كله وعلى الدين الكامل الذي لا غاية أعظم منه.، فإن ذلك لا يكون إلا بالإسلام

أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموت والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون

[آل عمران: 83]. انتهى.

ولا يخفى أنهم إذا أقاموا التوراة والإنجيل، آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم. لما تتقاضى إقامتهما الإيمان به. إذ كثر ما جاء فيهما من البشارات به والتنويه باسمه ودينه. فإقامتهما على وجوههما تستدعي الإسلام ألبتة، بل هي هو، والله الموفق...

﴿ ومآ أنزل إليكم من ربكم ﴾ أي: القرآن المجيد بالإيمان به. وفي التعبير بقوله تعالى: ﴿ لستم على شيء ﴾ من التحقير والتصغير ما لا غاية وراءه. كما تقول: هذا ليس بشيء! تريد غاية تحقيره وتصغير شأنه. وفي أمثالهم: أقل من لا شيء. أي: لستم على دين يعتد به حتى يسمى شيئا لفساده وبطلانه.

ثم بين تعالى غلوهم في العناد وعدم إفادة التبليغ فقال: ﴿ وليزيدن كثيرا منهم مآ أنزل إليك من ربك طغيانا ﴾ أي: تماديا ﴿ وكفرا ﴾ أي ثباتا على الكفر ﴿ فلا تأس على القوم الكافرين ﴾ أي: فإذا بالغت في تبليغ ما أنزل إليك، فرأيت مزيد طغيانهم وكفرهم، فلا تحزن عليهم لغاية خبلهم في ذواتهم، فإن ضرر ذلك راجع إليهم لا إليك، وفي المؤمنين غنى عنهم.

محاسن التأويل · الصفحة ٩٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٩٠١