تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" سأل عن الساعة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ما أعددت لها؟ " قال: ما أعددت لها كبير عمل، ولكن حب الله ورسوله. فقال عليه الصلاة والسلام: " أنت مع من أحببت "

فهذا الحديث ناطق بأن المفهوم من المحبة لله غير الأعمال والتزام الطاعات؛ لأن الأعرابي نفاها وأثبت الحب، وأقره عليه الصلاة والسلام على ذلك. ثم إذا ثبت إجراء محبة العبد لله تعالى على حقيقتها لغة، فالمحبة في اللغة، إذا تأكدت سميت عشقا، فمن تأكدت محبته لله تعالى، وظهرت آثار تأكدها عليه من استيعاب الأوقات في ذكره وطاعته - فلا تمنع أن تسمى محبته عشقا، إذ العشق ليس إلا المحبة البالغة. انتهى.

الثالثة: قوله تعالى: ﴿ أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ﴾.

قال ابن كثير: هذه صفات المؤمنين الكمل، أن يكون أحدهم متواضعا لأخيه ووليه، متعززا على خصمه وعدوه، كما قال الله تعالى:

محمد رسول الله والذين معه أشدآء على الكفار رحمآء بينهم

[الفتح: 29].

قال الزمخشري: فإن قلت: هلا قيل: أذلة للمؤمنين؟

قلت فيه وجهان: (أحدهما): أن يضمن الذل معنى الحنو والعطف، كأنه قيل: عاطفين عليهم على وجه التذلل والتواضع.

و (الثاني) أنهم - مع شرفهم وعلو طبقتهم وفضلهم على المؤمنين - خافضون لهم أجنحتهم وقرئ (أذلة وأعزة) بالنصب على الحال.

وفي (الحواشي): أن قوله تعالى: ﴿ أعزة على الكافرين ﴾ تكميل؛ لأنه لما وصفهم بالتذلل، ربما توهم أن لهم في نفسهم حقارة: ومع ذلك هم أعزة على الكافرين، كقوله:

جلوس في مجالسهم رزان

وإن ضيف ألم بهم خفوف

واستدل بالآية على فضل التواضع للمؤمنين والشدة على الكفار.

الرابعة: قوله تعالى: ﴿ ولا يخافون لومة لائم ﴾.

قال الزمخشري: يحتمل أن تكون (الواو) للحال على معنى: أنهم يجاهدون، وحالهم في المجاهدة خلاف حال المنافقين، فإنهم كانوا موالين لليهود، فإذا خرجوا في جيش المؤمنين خافوا أولياءهم اليهود، فلا يعملون شيئا مما يعلمون أنه يلحقهم فيه لوم من جهتهم؛ وأما المؤمنون فكانوا يجاهدون لوجه الله لا يخافون لومة لائم قط. وأن تكون للعطف على أن من صفتهم المجاهدة في سبيل الله، وأنهم صلاب في دينهم، إذا شرعوا في أمر من أمور الدين - إنكار منكر أو أمر بمعروف - مضوا فيه كالمسامير المحماة، لا يرعبهم قول قائل ولا اعتراض معترض ولا لومة لائم. يشق عليه جدهم في إنكارهم وصلابتهم في أمرهم و (اللومة): المرة من اللوم، وفيها وفي التنكير مبالغتان، كأنه قيل: لا يخافون شيئا قط من لوم أحد من اللوام. انتهى.

وفيه وجوب التمسك بالحق وإن لامه لائم، وإنه مع تمسكه به، صيره محله أعلى ممن تمسك به من غير لوم، لأنه تعالى مدح من هذا حاله.

وفيه أيضا، أن خوف الملامة ليس عذرا في ترك أمر شرعي.

روى الإمام أحمد عن أبي ذر قال: أمرني خليلي صلى الله عليه وسلم بسبع: أمرني بحب المساكين والدنو منهم، وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت، وأمرني أن لا أسأل أحدا شيئا، وأمرني أن أقول بالحق وإن كان مرا، وأمرني أن لا أخاف في الله لومة لائم, وأمرني أن أكثر من قول (لا حول ولا قوة إلا بالله) فإنهن كنز من تحت العرش.

وروى الإمام أحمد أيضا عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" ألا، لا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده. فإنه لا يقرب من أجل ولا يباعد من رزق أن يقول بحق أو أن يذكر بعظيم ".

وروى أيضا عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" لا يحقرن أحدكم نفسه، أن يرى أمرا لله فيه مقال فلا يقول فيه. فيقال له يوم القيامة: ما منعك أن تكون قلت في كذا وكذا؟ فيقول: مخافة الناس، فيقول: إياي أحق أن تخاف ".

وروى الشيخان عن عبادة بن الصامت قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وألا ننازع الأمر أهله، وأن نقول بالحق حيثما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم.

محاسن التأويل · الصفحة ٨٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٨٨٢