تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تنبيهات

الأول: قوله تعالى: ﴿ أربعين سنة ﴾ ظرف متعلق ب (يتيهون). واحتمال كونه ظرفا ل (محرمة) كما ذكره غير واحد - لا يصح إلا بتكلف؛ لما شرحناه من سياق القصة.

الثاني: قال الحاكم: دل قوله تعالى: ﴿ فلا تأس على القوم الفاسقين ﴾ على أن من لحقه عذاب الله لا يجوز أن يحزن عليه لأن ذلك حكمه، بل يحمد الله تعالى إذا أهلك عدوا من أعدائه.

الثالث: قال ابن كثير: ذكر كثير من المفسرين ههنا أخبارا من وضع بني إسرائيل، في عظمة خلق هؤلاء الجبارين، وأن منهم عوج بن عنق بنت آدم عليه السلام. وأن طوله ثلاثة آلاف ذراع، وثلاثمائة وثلاثة وثلاثون ذراعا وثلث ذراع، تحرير الحساب، وهذا شيء يستحيى من ذكره، ثم هو مخالف لما ثبت في (الصحيحين): أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

" إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعا، ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن "

ثم ذكروا أن هذا الرجل كان كافرا، وأنه كان ولد زنية، وأنه امتنع من ركوب سفينة نوح، وأن الطوفان لم يصل إلى ركبته. وهذا كذب وافتراء، إن الله تعالى ذكر أن نوحا دعا على أهل الأرض من الكافرين فقال:

رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا

[نوح: 26]، وقال تعالى:

فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون * ثم أغرقنا بعد الباقين

[الشعراء: 119-120]، وقال تعالى:

لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم

[هود: 43]؛ وإذا كان ابن نوح، الكافر، غرق، فكيف يبق عوج بن عنق وهو كافر وولد زنية؟ هذا لا يسوغ في عقل ولا شرع، ثم في وجود رجل يقال له عوج بن عنق، نظر. الله أعلم.

الرابع: قال ابن كثير: تضمنت هذه القصة تقريع اليهود، وبيان فضائحهم ومخالفتهم لله ولرسوله، ونكولهم عن طاعتهما فيما أمراهم به من الجهاد، فضعفت أنفسهم عن مصابرة الأعداء ومجادلتهم ومقاتلتهم، مع أن بين أظهرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكليمه وصفيه من خلقه في ذلك الزمان، وهو يعدهم بالنصر والظفر بأعدائهم. هذا، مع ما شاهدوا من فعل الله بعدوهم، فرعون, من العذاب، والنكال والغرق له ولجنوده في اليم وهم ينظرون, لتقر به أعينهم (وما بالعهد من قدم)، ثم ينكلون عن مقاتلة أهل بلد هي بالنسبة إلى ديار مصر لا توازن عشر المعشار في عدة أهلها وعددهم, وظهرت قبائح صنيعهم للخاص والعام. وافتضحوا فضيحة لا يغطيها الليل ولا يسترها الذيل. وقال - رحمه الله - قبل ذلك: وما أحسن ما أجاب به الصحابة - رضي الله عنهم - يوم بدر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استشارهم في قتال النفير الذين جاءوا لمنع العير الذي كان مع أبي سفيان، فلما فات اقتناص العير، واقترب منهم النفير، وهم في جمع ما بين التسعمائة إلى الألف في العدة والبيض واليلب، فتكلم أبو بكر - رضي الله عنه - فأحسن، ثم تكلم، من الصحابة، من المهاجرين. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

" أشيروا علي أيها المسلمون "

، وما يقول ذلك إلا ليستعلم ما عند الأنصار؛ لأنهم كانوا جمهور الناس يومئذ. فقال سعد بن معاذ: كأنك تعرض بنا يا رسول الله؟ فوالذي بعثك بالحق! لو استعرضت بنا هذا البحر، فخضته، لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا؛ إنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء. لعل الله أن يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله. فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد، ونشطه لذلك.

وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود قال: لقد شهدت من المقداد مشهدا؛ لأن أكون أنا صاحبه، أحب إلي مما عدل به؛ أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يدعو على المشركين فقال: والله يا رسول الله، لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى:

فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون

[المائدة: 24]، ولكنا نقاتل عن يمينك، وعن يسارك، ومن بين يديك، ومن خلفك.

محاسن التأويل · الصفحة ٨٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٨٤٠