إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا
[الإنسان: 3] ليبلغ بسلوكها كماله, ويصل على نهجها إلى ما أعد في الدارين له، ولكنا نستعير من التاريخ كلمة يفهمها من نظر فيما اتفق عليه مؤرخو ذلك العهد, نظر إمعان وإنصاف.
كانت دولتا العالم (دولة الفرس في الشرق, ودولة الرومان في الغرب) في تنازع وتجالد مستمر دماء بين العالمين مسفوكة, وقوى منهوكة, وأموال هالكة, وظلم من الإحن حالكة. ومع ذلك, فقد كان الزهو والترف والإسراف والفخفخة والتفنن في الملاذ بالغة حد ما لا يوصف في قصور السلاطين والأمراء, والقواد ورؤساء الأديان من كل أمة. وكان شره هذه الطبقة من الأمم لا يقف عند حد. فزادوا في الضرائب, وبالغوا في فرض الإتاوات, حتى أثقلوا ظهور الرعية بمطالبهم.
وأتوا ما في أيديها من ثمرات أعمالها, وانحصر سلطان القوي في اختطاف ما بيد الضعيف. وفكر العاقل, في الاحتيال لسلب الغافل؛ وتبع ذلك أن استولى على تلك الشعوب ضروب من الفقر والذل والاستكانة والخوف والاضطراب, لفقد الأمن على الأرواح والأموال. غمرت مشيئة الرؤساء إرادة من دونهم. فعاد هؤلاء كأشباح اللاعب. يديرها من وراء حجاب, ويظنها الناظر إليها من ذوي الألباب, ففقد بذلك الاستقلال الشخصي, وظن أفراد الرعايا أنهم لم يخلقوا إلا لخدمة ساداتهم وتوفير لذاتهم, كما هو الشأن في العجماوات مع من يقتنيها. ضلت السادات في عقائدها وأهوائها، وغلبتها على الحق والعدل شهواتها، ولكن بقي لها من قوة الفكر أردأ بقاياها. فلم يفارقها الحذر من أن بصيص النور الإلهي، الذي يخالط الفطر الإنسانية، قد يفتق الغلف التي أحاطت بالقلوب، ويمزق الحجب التي أسدلت على العقول، فتهتدي العامة إلى السبيل. ويثور الجم الغفير على العدد القليل، ولذلك لم يغفل الملوك والرؤساء أن ينشئوا سحبا من الأوهام، ويهيئوا كسفا من الأباطيل والخرافات، ليقذفوا بها في عقول العامة، فيغلظ الحجاب، ويعظم الرين، ويختنق بذلك نور الفطرة، ويتم لهم ما يريدون من المغلوبين لهم. وصرح الدين، بلسان رؤسائه، أنه عدو العقل وعدو كل ما يثمره النظر، إلا ما كان تفسيرا لكتاب مقدس، وكان لهم في المشارب الوثنية ينابيع لا تنضب، ومدد لا ينفد.
هذه حالة الأقوام كانت في معارفهم، وذلك كان شأنهم في معايشهم، عبيد أذلاء، حيارى في جهالة عمياء، اللهم إلا بعض شوارد من بقايا الحكمة الماضية، والشرائع السابقة، آوت إلى بعض الأذهان، ومعها مقت الحاضر، ونقص العلم بالغابر. ثارت الشبهات على أصول العقائد وفروعها، بما انقلب من الوضع، وانعكس من الطبع، فكان يرى الدنس في مظنة الطهارة، والشره حيث تنتظر القناعة، والدعارة حيث ترجى السلامة والسلام. مع قصور النظر عن معرفة السبب، وانصرافه لأول وهلة إلى أن مصدر كل ذلك هو الدين. فاستولى الاضطراب على المدارك. وذهب بالناس مذهب الفوضى في العقل والشريعة معا، وظهرت مذاهب الإباحيين والدهريين في شعوب متعددة، وكان ذلك ويلا عليها، فوق ما رزئت به سائر الخطوب. وكانت الأمة العربية قبائل متخالفة في النزاعات، خاضعة للشهوات، فخر كل قبيلة في قتال أختها، وسفك دماء أبطالها، وسبي نسائها، وسلب أموالها. تسوقها المطامع، إلى المعامع، ويزين لها السيئات فساد الاعتقادات. وقد بلغ العرب من سخافة العقل حدا صنعوا أصنامهم من الحلوى ثم عبدوها، فلما جاعوا أكلوها، وبلغوا من تضعضع الأخلاق وهنا قتلوا فيه بناتهم تخلصا من عار حياتهن، أو تنصلا من نفقات معيشتهن، وبلغ الفحش منهم مبلغا لم يعد معه للعفاف قيمة.
وبالجملة: فكانت ربط النظام الاجتماعي قد تراخت عقدها في كل أمة، وانفصمت عراها عند كل طائفة. أفلم يكن من رحمة الله بأولئك الأقوام أن يؤدبهم برجل منهم يوحى إليه رسالته؟ ويمنحه عنايته؟ ويمده من القوة بما يتمكن معه من كشف تلك الغمم، التي أظلت رؤوس جميع الأمم؟ نعم، كان ذلك، وله الأمر من قبل ومن بعد. انتهى.