تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[الإسراء: 1]، وقوله:

وأنه لما قام عبد الله يدعوه

[الجن: 19] وقوله:

وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا

[البقرة: 23]، ونظائر متعددة. ثم أمره بقوله:

قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون

[الزمر: 38]، وقال تعالى:

واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يقوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركآءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون

[يونس: 71]، وكذلك قال عن هود لما قال قومه:

إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون * من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون * إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دآبة إلا هو آخذ بناصيتهآ إن ربي على صراط مستقيم

[هود: 54-56]. فهذا من كلام المرسلين، مما يبين أنه بتوكله على الله يدفع شرهم عنه. فنوح يقول:

إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت...

[يونس: 71] الآية. فدعاهم، إذا استعظموا ما يفعله كارهين له، أن يجتمعوا ثم يفعلون ما يريدونه من الإهلاك. وقال:

فعلى الله توكلت...

[يونس: 71] فلولا أنه بحقيقة هذه الكلمة - وهو توكله على الله - يعجزهم عما تحداهم به من مناجزته، لكان قد طلب منهم أن يهلكوه، وهذا لا يجوز، وهذا طلب تعجيز لهم، فدل على أنه - بتوكله على الله - يعجزهم عما تحداهم به، وكذلك هود، يشهد الله تعالى وإياهم أنه بريء مما يشركون بالله، ثم يتحداهم ويعجزهم بقوله:

فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون * إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دآبة إلا هو آخذ بناصيتهآ

[هود: 55-56] يبين أنه توكل على من أخذ بنواصي الإنس وسائر الدواب، فهو يدفعكم عني لأني متوكل عليه. ولو كان وجود التوكل كعدمه في هذا، لكان قد أغراهم بالإيقاع به، ولم يكن لذكر توكله فائدة، إذ كان حقيقة الأمر عند هؤلاء أنه لا فرق بين من توكل ومن لم يتوكل في وصول العذاب إليه، وهم كانوا أكثر وأقوى منه، فكانوا يهلكونه. وهو لو قال: فإن الله مولاي وناصري - ونحو ذلك - لعلم أنه مخبر أن الله تعالى يدفعهم، وإنما يدفعهم لإيمانه وتقواه، ولأنه عبده ورسوله، فالله مع رسله وأوليائه، فإذا كان بسبب الإيمان والتقوى يدفع الله عن المؤمنين المتقين، علم أن العبد تقوم به أعمال باطنة وظاهرة، تجلب بها المنفعة وتدفع بها المضرة، والتوكل من أعظم ذلك.

وعلم أن من ظن أن المقدور من المنافع والمضار، ليس معلقا بالأسباب، بل يحصل بدونها، فهو غالط. وكذلك من جعل ذلك مجرد أمارة وعلامة، لاقتران هذا بهذا، فقد أخطأ. فإن الله أخبر أنه فعل هذا بهذا في غير موضع من القرآن، في خلقه وأمره. كقوله:

فأنزلنا به المآء فأخرجنا به من كل الثمرات

[الأعراف: 57]، وقوله:

كلوا واشربوا هنيئا بمآ أسلفتم في الأيام الخالية

[الحاقة: 24]، وقوله:

بما كنتم تعملون

[الزخرف: 72]، وأنكر على من ظن وجود الأسباب كعدمها في مثل قوله:

أفنجعل المسلمين كالمجرمين

[القلم: 35]، وقوله:

أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار

[ص: 28]، وأمثال ذلك. وهؤلاء يقولون بالجبر، قالوا: والأمر والنهي حقيقته أنه إعلام بوقوع العذاب بالعاصي بمحض المشيئة لا لسبب ونحوه، ولا بحكمة، فقلبوا حقيقة الأمر والنهي إلى الجبر كما أبطلوا الأسباب والحكمة، وأبطلوا قدرة العباد. وهم، وإن كانوا يردون على القدرية ويذكرون من تناقضهم ما يبين به فساد قول القدرية، فقد ردوا باطلا بباطل، وقاتلوا بدعة ببدعة. كرد اليهود على النصارى، والنصارى على اليهود، مقالتهم في المسيح، وكلتا المقالتين باطلة، وكذلك تقابل الخوارج والشيعة في علي باطل، ونظائره متعددة. انتهى. فاحفظه ينفعك في مواضع كثيرة. وقوله تعالى.

﴿ ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرآئيل... ﴾.

محاسن التأويل · الصفحة ٨٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٨٢٨