يأيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين
[الأنفال: 64]. أي: الله كافيك وكافي من اتبعك من المؤمنين. فلو كانت كفايته للمؤمنين المتبعين للرسول - سواء اتبعوه أو لم يتبعوه - لم يكن للإيمان واتباع الرسول أثر في هذه الكفاية، ولا كان لتخصيصهم بذلك معنى، وكان هذا نظير أن يقال: هو خالقك وخالق من اتبعك، ومعلوم أن المراد خلاف ذلك، وإذا كان الحسب معنى يختص بعض الناس، علم أن قول المتوكل:
حسبي الله
[التوبة: 129] وقوله:
ومن يتوكل على الله فهو حسبه
[الطلاق: 3] أمر مختص لا مشترك، وأن التوكل سبب ذلك الاختصاص، والله تعالى إذا وعد على العمل بوعد أو خص أهله بكرامة، فلا بد أن يكون بين وجود ذلك العمل وعدمه فرق في حصول تلك الكرامة، وإن كان قد يحصل نظيرها بسبب آخر، فقد يكفي الله بعض من لم يتوكل عليه كالأطفال، لكن لا بد أن يكون للمتوكل أثر في حصول الكفاية الحاصلة للمتوكلين، فلا يكون ما يحصل من الكفاية بالتوكل حاصلا، وإن عدم التوكل. وقد قال تعالى:
وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل * فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم
[آل عمران: 173-174] فعقب هذا الجزاء والحكم لذلك الوصف والعمل، بحرف (الفاء) وهي تفيد السبب. فدل ذلك على أن ذلك التوكل هو سبب هذا الانقلاب بنعمة من الله وفضل، وأن هذا الجزاء جزاء على ذلك العمل. وفي الأثر:
" من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله "
فلو كان التوكل لا يجلب منفعة ولا يدفع مضرة، لم يكن المتوكل أقوى من غيره. وقال تعالى:
يأيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما * واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا * وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا
[الأحزاب: 1-3] وقال في أثناء السورة:
ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا
[الأحزاب: 48]. فأمره سبحانه بتقواه وإتباع ما يوحى إليه وأمره بالتوكل. كما جمع بين هذين الأصلين في غير موضع؛ كقوله:
فاعبده وتوكل عليه
[هود: 123]، وقوله:
وتبتل إليه تبتيلا * رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا
[المزمل: 8-9]، وقوله:
عليه توكلت وإليه أنيب
[الشورى: 10]، وقوله:
ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا
[الممتحنة: 4]، وقوله:
هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب
[الرعد: 30]، وقوله:
ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه
[الطلاق: 2-3]، وقوله في الفاتحة:
إياك نعبد وإياك نستعين
[الفاتحة: 5]. وعلم القرآن مجتمع في الفاتحة، وعلم الفاتحة في هذين الأصلين: عبادة الله والتوكل عليه. وإذا أفرد لفظ العبادة دخل فيه التوكل، فإنه من عبادة الله، كقوله:
يأيها الناس اعبدوا ربكم
[البقرة: 21]، وقوله:
وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون
[الذاريات: 56]، وإذا قرن به التوكل كان مأمورا به بخصوصه. وهذا كلفظ الإسلام والإيمان. والإيمان والعمل، ولفظ الصلاة مع العبادة ومع إتباع الكتاب، ولفظ الفحشاء والبغي مع المنكر، ونظائر ذلك متعددة، يكون اللفظ عند تجرده وإفراده يتناول أنواعا، وقد يعطف بعض تلك الأنواع عليه فيكون مأمورا به لخصوصه.
ثم قد يقال: إذا عطف لم يدخل في المعطوف عليه. وقد يقال: بل الأمر به خاص وعام، كما في قوله:
وملائكته ورسله وجبريل وميكل
[البقرة: 98]. وإذا كان الله أمره بالتوكل على الله، ثم قال:
وكفى بالله وكيلا
[الأحزاب: 3]، علم أن الله وكيل كاف لمن توكل عليه، كما يقال في الخطب والدعاء: الحمد لله كافي من توكل عليه. وإذا كان " كفى به وكيلا " فهذا مختص به سبحانه ليس غيره من الموجودات " كفى به وكيلا " فإن من يتخذ وكيلا من المخلوقين غايته أن يفعل بعض الأمور، وهو لا يفعلها إلا بإعانة الله، وهو عاجز عن أكثر المطالب، فإذا كان سبحانه وصف نفسه بأنه " كفى به وكيلا " علم أنه يفعل بالمتوكل عليه ما لا يحتاج معه إلى غيره من جلب المنافع ودفع المضار. إذ لو بقي شيء لم يكن " كفى به وكيلا " وهذا نقيض قول من ظن أن المتوكل عليه لا يحصل له بتوكله جلب منفعة ولا دفع مضرة، بل يجري عليه من القضاء ما كان يجري لو لم يتوكل عليه. والذين ظنوا، أصل شبهتهم أنهم لما أثبتوا أن الله إذا قضى شيئا فلا بد أن يكون، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأن ما سبق علمه فهو كائن لا محالة - صاروا يظنون ما يوجد بسبب يوجد بدونه، وما يوجد مع عدم المانع يوجد مع المانع. وهذا غلظ عظيم ضل فيه طوائف: طائفة قالت: لا حاجة إلى الأعمال المأمور بها، بل من خلق للجنة فهو يدخلها وإن لم يؤمن، ومن خلق للنار فهو يدخلها وإن آمن ولم يكفر. وهذه الشبهة سئل عنها النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: