تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما من أوجب الجمع بين المسح والغسل فأخذا بالجمع بين القراءتين. ومراد من ذهب إلى هذا بالمسح، هو: الدلك. كما تقدم عن النفس الزكية.

قال ابن كثير: من نقل عن ابن جرير - أنه أوجب غسلهما للأحاديث وأوجب مسحهما للآية - فلم يحقق مذهبه في ذلك، فإن كلامه في تفسيره إنما يدل على أنه أراد أنه يجب دلك الرجلين، من دون سائر أعضاء الوضوء لأنهما يليان الأرض والطين وغير ذلك، فأوجب دلكهما ليذهب ما عليهما، ولكنه عبر عن الدلك بالمسح، فاعتقد من لم يتأمل كلامه أنه أراد وجوب الجمع بين غسل الرجلين ومسحهما، فحكاه من حكاه كذلك. ولهذا يستشكله كثير من الفقهاء، وهو معذور، فإنه لا معنى للجمع بين المسح والغسل سواء تقدمه أو تأخر عليه لاندراجه فيه، وإنما أراد ما ذكرته والله أعلم. ثم تأملت كلامه أيضا فإذا هو يحاول الجمع بين القراءتين في قوله: ﴿ وأرجلكم ﴾ خفضا على المسح وهو: الدلك، ونصبا على الغسل، فأوجبهما أخذا بالجمع بين هذه وهذه. انتهى.

وأما من قال: الواجب هو المسح، فتمسك بقراءة الجر، وهو مذهب الإمامية. وأجابوا عن قراء النصب بأنها مقتضية للمسح أيضا. وقد وقفت على كتاب (شرح المقنعة) من كتبهم فوجدته أطنب في هذا البحث، ووجه اقتضاء النصب للمسح بأن موضع الرؤوس موضع نصب لوقوع الفعل، الذي هو المسح عليه. قال: وعلى هذا لا ينكر أن يعطف الأرجل على موقع الرؤوس لا لفظها فينصب، والعطف على الموضع جائز مشهور في لغة العرب. ثم ساق الشواهد في ذلك وقال بعد: فإن قيل: ما أنكرتم أن تكون القراءة بالنصب لا تقتضي الغسل، فلا تحتمل المسح؛ لأن عطف الأرجل على موضع الرؤوس في الإيجاب توسع وتجوز. والظاهر والحقيقة يوجبان عطفها على اللفظ لا الموضع. قلنا: ليس الأمر على ما توهمتم، بل العطف على الموضع مستحسن في لغة العرب، وجائز لا على سبيل الاتساع والعدول عن الحقيقة، فالمتكلم مخير بين حمل الإعراب على اللفظ تارة، وبين حمله على الموضع أخرى. قال: وهذا ظاهر في العربية مشهور عند أهلها، وفي القرآن والشعر له نظائر كثيرة. ثم قال: على أنا لو سلمنا أن العطف على اللفظ أقوى، لكان عطف الأرجل على موضع الرؤوس أولى, مع القراءة بالنصب؛ لأن نصب الأرجل لا يكون إلا على أحد وجهين: إما بأن يعطف على الأيدي والوجوه في الغسل, أو يعطف على موضع الرؤوس فينصب, ويكون حكمها المسح.

وعطفها على موضع الرؤوس أولى. وذلك أن الكلام إذا حصل فيه عاملان, أحدهما قريب والآخر بعيد, فإعمال الأقرب أولى من إعمال الأبعد، وقد نص أهل العربية على هذا في باب التنازع. انتهى. فتأمل جدلهم.

قال الحافظ ابن كثير: وقد روي عن طائفة من السلف بالمسح، فروى ابن جرير عن حميد قال: قال موسى بن أنس ونحن عنده: يا أبا حمزة، إن الحجاج خطبنا بالأهواز، ونحن معه، فذكر الطهور فقال: اغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم، وإنه ليس شيء من ابن آدم أقرب من خبثه من قدميه، فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما. فقال أنس: صدق الله وكذب الحجاج. قال الله تعالى: ﴿ وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم ﴾ قال: وكان أنس إذا مسح قدميه بلهما. قال ابن كثير: إسناده صحيح إليه.

وروى ابن جرير أيضا عن عاصم عن أنس قال: نزل القرآن بالمسح، والسنة بالغسل. وإسناده صحيح أيضا.

وأسند أيضا عن عكرمة عن ابن عباس قال: الوضوء غسلتان ومسحتان.

وكذا روى سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ﴿ وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم ﴾ ، قال: هو المسح. ثم قال: وروي عن ابن عمر وعلقمة وأبي جعفر محمد بن علي والحسن (في إحدى الروايات) وجابر بن يزيد ومجاهد (في إحدى الروايتين) نحوه.

وروى ابن جرير عن أيوب قال: رأيت عكرمة يمسح على رجليه. وعن الشعبي قال: نزل جبريل بالمسح. ألا ترى أن التيمم، أن يمسح ما كان غسلا ويلغي ما كان مسحا؟

محاسن التأويل · الصفحة ٨٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٨٢٠