تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

38.41

﴿ واذكر ﴾ أي: في باب الابتلاء وحسن عاقبة الصبر عليه ﴿ عبدنآ ﴾ أي: الكامل في التحقيق بالعبودية ﴿ أيوب إذ نادى ربه ﴾ أي: دعاه وابتهل إليه قائلا: ﴿ أني مسني ﴾ أي: أصابني ﴿ الشيطان بنصب ﴾ أي: مشقة (بضم النون وفتحها مع سكون الصاد، وبفتحهما وضمهما) ﴿ وعذاب ﴾ أي: ألم شديد.

38.42

﴿ اركض برجلك ﴾ حكاية لما أجيب به دعاؤه عليه السلام. أي: فاستجبنا له وقلنا: اركض برجلك. أي: اعد بها وامش، فقد برأت وشفيت من مرضك، وقوي جسمك، وصح بدنك ﴿ هذا مغتسل بارد وشراب ﴾ أي: ماء تغتسل به وتشرب منه. والإشارة إلى عين أو نهر أو نحوهما.

38.43

﴿ ووهبنا له أهله ﴾ بأن جمعناهم عليه بعد تفرقهم ﴿ ومثلهم معهم رحمة منا ﴾ أي: ترحما منا عليه بهذا الإضعاف والمباركة ﴿ وذكرى لأولي الألباب ﴾ أي: تذكيرا لهم لينتظروا الفرج بالصبر والنوال بصدق الاتكال.

38.44

﴿ وخذ بيدك ضغثا ﴾ أي: حزمة صغيرة ﴿ فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا ﴾ أي: في كل ما ابتليناه به ﴿ نعم العبد إنه أواب ﴾ أي: كثير الرجوع إلى الله تعالى؛ بالإنابة والابتهال والعبادة.

تنبيهات

الأول: كان أيوب عليه السلام نبيا غنيا من أرباب العقار والماشية، وكان أميرا في قومه، وكانت أملاكه ومنزله في الجنوب الشرقي من البحر الميت، بين بلاد أدوم وصحراء العربية، وكانت إذ ذاك خصيبة رائعة التربة كثيرة المياه المتسلسلة، وكان زمنه بعد زمن إبراهيم وقبل زمن موسى عليهم السلام. هذا ما حققه بعض الباحثين. والله أعلم.

الثاني: يذكر كثير من المفسرين ههنا مرويات وقصصا إسرائيلية في ابتلائه عليه السلام. ولا وثوق من ذلك كله إلا بمجمله، وهو ما أشار له التنزيل الكريم؛ لأنه المتيقن، وهو أنه عليه الصلاة والسلام أصابته بلوى عظيمة في نفسه وماله وأهله. وأنه صبر على ذلك صبرا صار يضرب به المثل لثباته وسعة صدره وشجاعته، وأنه جوزي بحسنة صبره أضعافها المضاعفة.

الثالث: قال الزمخشري: فإن قلت: لم نسب المس إلى الشيطان ولا يجوز أن يسلطه الله على أنبيائه، ليقضي من إتعابهم وتعذيبهم وطره، ولو قدر على ذلك لم يدع صالحا إلا وقد نكبه وأهلكه، وقد تكرر في القرآن أنه لا سلطان له إلا الوسوسة فحسب؟ قلت: لما كانت وسوسته إليه، وطاعته له فيما وسوس، سببا فيما مسه الله به من النصب والعذاب - نسبه إليه، وقد راعى الأدب في ذلك حيث لم ينسبه إلى الله في دعائه، مع أنه فاعله ولا يقدر عليه إلا هو. وقيل: أراد ما كان يوسوس به إليه في مرضه من تعظيم ما نزل به من البلاء، ويغريه على الكراهة والجزع، فالتجأ إلى الله تعالى في أن يكفيه ذلك بكشف البلاء، أو بالتوفيق في دفعه ورده بالصبر الجميل. انتهى.

الرابع: دل قوله تعالى: ﴿ وخذ بيدك ضغثا ﴾ الآية، على تقدم يمين منه عليه السلام، وقد رووا هنا آثارا في المحلوف عليه، لم يصح منها شيء، فالله أعلم به ولا ضرورة لبيانه؛ إذ القصد الإعلام برحمة أخرى ونعمة ثانية عليه، صلوات الله عليه. وهي الدلالة إلى المخرج من الحنث، برخصة وطريقة سهلة سمحة ترفع الحرج، ونحن نورد هنا أمثل ما كتب في الآية، إيقافا للقارئ عليه: قال السيوطي في (الإكليل): أخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن عباس وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وغيرهم؛ أن أيوب حلف ليجلدن امرأته مائة جلدة. فلما كشف الله عنه البلاء أمر أن يأخذ ضغثا فيضربها به. فأخذ شماريخ مائة ثم ضربها ضربة واحدة. قال سعيد بن جبير: وهي لهذه الأمة لمن حلف على مثل ما حلف عليه أيوب.

ثم أخرج أيضا عن عطاء قال: هي للناس عامة. وعن مجاهد قال: كانت لأيوب خاصة. قال الكيا الهراسي ذهب الشافعي وأبو حنيفة وزفر، إلى أن من فعل ذلك فقد بر في يمينه، وخالف مالك ورآه خاصا بأيوب.

محاسن التأويل · الصفحة ٢٤٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٤٧٥