تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

38.32

﴿ فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي ﴾ أي: آثرته عليه، عدل عنه للمناسبة اللفظية وقصد التجنيس، وفائدة التضمين إشارة إلى عروضه، و: ﴿ ذكر ربي ﴾ إما مضاف لفاعله أو لمفعوله.

قال الزمخشري: و(الخير) المال كقوله:

إن ترك خيرا

[البقرة: 180]، وقوله:

وإنه لحب الخير لشديد

[العاديات: 8] والمال: الخيل التي شغلته، أو سمي الخيل خيرا كأنها نفس الخير، لتعلق الخير بها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة "

، وقال في زيد الخيل حين وفد عليه وأسلم:

" ما وصف لي رجل فرأيته، إلا كان دون ما بلغني، إلا زيد الخيل وسماه زيد الخير "

، وسأل رجل بلالا رضي الله عنه عن قوم يستبقون، من السابق؟ فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له الرجل: أردت الخيل. فقال: وأنا أردت الخير.

﴿ حتى توارت بالحجاب ﴾ أي: غربت الشمس، متعلق بقوله تعالى: ﴿ أحببت ﴾ وفيه استعارة تصريحية أو مكنية لتشبيه الشمس بامرأة حسناء، أو ملك. وباء: ﴿ بالحجاب ﴾ للظرفية، أو الاستعانة أو الملابسة.

38.33

﴿ ردوها علي ﴾ يعني الصافنات، وهذا من مقول القول، فلا حاجة إلى تقدير قول آخر ﴿ فطفق مسحا بالسوق والأعناق ﴾ أي: فجعل يمسح مسحا، أي: يمسح بالسيف بسوقها وأعناقها، يعني يقطعها.

تنبيه

قال ابن كثير: ذكر غير واحد من السلف والمفسرين أن سليمان عليه السلام اشتغل بعرض الخيل حتى فات وقت صلاة العصر، والذي يقطع به أنه لم يتركها عمدا بل نسيانا، كما شغل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق عن صلاة العصر، حتى صلاها بعد الغروب، وذلك ثابت في الصحيحين من غير وجه، ويحتمل أنه كان سائغا في ملتهم تأخير الصلاة لعذر الغزو، والقتال. والخيل تراد للقتال، وقد ادعى طائفة من العلماء أن هذا كان مشروعا فنسخ ذلك بصلاة الخوف، ومنهم من ذهب إلى ذلك في حال المسايفة والمضايقة حتى لا يمكن صلاة، ولا ركوع ولا سجود، كما فعل الصحابة رضي الله عنهم في فتح (تستر) وهو منقول عن مكحول، والأوزاعي وغيرهما، والأول أقرب؛ لأنه قال بعد: ﴿ ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق ﴾ قال الحسن البصري: قال: لا، والله! لا تشغليني عن عبادة ربي آخر ما عليك، ثم أمر بها فعقرت. وكذلك قال قتادة.

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها حبا لها، وهذا القول اختاره ابن جرير. قال: لأنه لم يكن ليعذب حيوانا بالعرقبة، ويهلك مالا من ماله بلا سبب، سوى أنه اشتغل عن صلاته بالنظر إليها ولا ذنب لها، وهذا الذي رجح ابن جرير، فيه نظر؛ لأنه قد يكون في شرعهم جواز مثل هذا، ولا سيما إذا كان غضبا لله تعالى، بسبب أنه اشتغل بها حتى خرج وقت الصلاة؛ ولهذا لما خرج عنها لله تعالى، عوضه الله عز وجل ما هو خير منها، وهو الريح التي تجري بأمره رخاء حيث أصاب، غدوها شهر، ورواحها شهر، فهذا أسرع وخير من الخيل. روى الإمام أحمد عن ابن قتادة وأبي الدهماء، وكانا يكثران السفر نحو البيت، قالا:

" أتينا على رجل من أهل البادية فقال لنا البدوي، أخذ بيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يعلمني مما علمه الله عز وجل، وقال: " إنك لا تدع شيئا اتقاء الله تعالى، إلا أعطاك الله عز وجل خيرا منه " "

انتهى ما ذكره ابن كثير.

وقال القاشاني: أي: طفق يمسح السيف بسوقها، يعرقب بعضها وينحر بعضها، كسرا لأصنام النفس التي تعبدها بهواها، وقمعا لسورتها وقواها، ورفعا للحجاب الحائل بينه وبين الحق، واستغفارا وإنابة إليه بالتجريد والترك.

وقد ذهب الرازي إلى تأويل آخر استصوبه، قال: إن رباط الخيل كان مندوبا إليه في دينهم.

كما أنه كذلك في دين الإسلام، ثم إن سليمان عليه السلام احتاج إلى الغزو، فجلس وأمر بإحضار الخيل وأمر بإجرائها، وذكر أني لا أحبها لأجل الدنيا ونصيب النفس، وإنما أحبها لأمر الله، وطلب تقوية دينه. وهو المراد من قوله: ﴿ عن ذكر ربي ﴾ ثم إنه عليه السلام أمر بإعدائها وتسييرها حتى توارت بالحجاب أي: غابت عن بصره. ثم أمر الرائضين بأن يردوا تلك الخيل إليه فلما عادت إليه طفق يمسح سوقها وأعناقها، والغرض من ذلك المسح أمور: الأول: تشريفا لها وإبانة لعزتها، لكونها من أعظم الأعوان في دفع العدو. والثاني: أنه أراد أن يظهر أنه في ضبط السياسة والملك يتصنع إلى حيث يباشر أكثر الأمور بنفسه. الثالث: أنه كان أعلم بأحوال الخيل وأمراضها وعيوبها. فكان يمتحنها ويمسح سوقها وأعناقها، حتى يعلم هل فيها ما يدل على المرض.

محاسن التأويل · الصفحة ٢٤٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٤٧١