قال: وفي الآية دليل على أن للزوج ضرب زوجته، وأن يحلف ولا يستثني. انتهى. واستدل بهذه الآية على أن الاستثناء شرطه الاتصال؛ إذ لو لم يشترط لأمره تعالى بالاستثناء ولم يحتج إلى الضرب بالضغث، واستدل عطاء بالآية على مسألة أخرى.. فأخرج سعيد بن منصور عنه بسند صحيح؛ أن رجلا قال له: إني أردت أن لا أكسي امرأتي ذراعا حتى تقف بعرفة. فقال: احملها على حمار ثم اذهب فقف بها بعرفة. فقال: إنما عنيت يوم عرفة. فقال عطاء: وأيوب حين حلف ليجلدن امرأته مائة جلدة، ما نوى أن يضربها بالضغث، إنما أمره الله أن يأخذ ضغثا فيضربها به. قال عطاء: إنما القرآن عبر. انتهى كلام (الإكليل).
وقد رد الإمام ابن القيم في كتابه (إغاثة اللهفان) الاستدلال بهذه الآية على جواز الحيلة، وعبارته: وأما قوله تعالى لأيوب عليه السلام: ﴿ وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث ﴾ فمن العجب أن يحتج بهذه الآية على من يقول: إنه لو حلف ليضربنه عشرة أسواط فجمعها وضربه بها ضربة واحدة لم يبر في يمينه، هذا قول أصحاب أبي حنيفة ومالك وأصحاب أحمد. وقال الشافعي: إن علم أنها مسته كلها، بر في يمينه، وإن علم أنها لم تمسه، لم يبر، وإن شك لم يحنث، ولو كان هذا موجبا لبر الحالف، لسقط عن الزاني والقاذف والشارب بعدد الضرب، بأن يجمع له مائة سوط أو ثمانين ويضربه بها ضربة واحدة، وهذا إنما يجري في المرض كما قال الإمام أحمد، في المريض عليه الحد، ويضرب بعثكال يسقط عنه الحد. واحتج بما رواه عن أبي أمامة بن سهل، عن سعيد بن سعد بن عبادة قال:
" كان بين أبنائنا إنسان مخدج ضعيف، لم يرع أهل الدار إلا وهو على أمة من إماء الدار يخبث بها، وكان مسلما، فرفع شأنه سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: " اضربوه حده " قالوا يا رسول الله، إنه أضعف من ذلك إن ضربناه مائة قتلنه. فقال: " فخذوا له عثكالا فيه مائة شمراخ فاضربوه ضربة واحدة، وخلوا سبيله " ".
وأما قصة أيوب فلها فقه دقيق؛ فإن امرأته كانت لشدة حرصها على عافيته وخلاصة من دائه، تلتمس له الدواء بما تقدر عليه، فلما لقيها الشيطان، وقال ما قال، أخبرت أيوب عليه السلام بذلك، فقال: إنه الشيطان. ثم حلف لئن شفاه الله تعالى ليضربنها مائة سوط فكانت معذورة محسنة في شأنه، ولم يكن في شرعهم كفارة.
فإنه لو كان في شرعهم كفارة، لعدل إلى التكفير، ولم يحتج إلى ضربها، فكانت اليمين موجبة عندهم كالحدود. وقد ثبت أن المحدود إذا كان معذورا خفف عنه، بأن يجمع له مائة شمراخ أو مائة سوط فيضرب بها ضربة واحدة. وامرأة أيوب كانت معذورة، لم تعلم أن الذي خاطبها الشيطان، وإنما قصدت الإحسان. فلم تكن تستحق العقوبة، فأفتى الله نبيه أيوب عليه السلام أن يعاملها معاملة المعذور، هذا مع رفقها به وإحسانها إليه فجمع له بين البر في يمينه والرفق بامرأته المحسنة المعذورة، التي لا تستحق العقوبة. فظهر موافقة نص القرآن في قصة أيوب عليه السلام، لنص السنة، في شأن الضعيف الذي زنى. فلا يتعدى بهما عن محلهما.
فإن قيل: فقولوا في نظير ذلك ممن حلف ليضربن امرأته، أو أمته مائة، وكانتا معذورتين لا ذنب لهما، إنه يبر بجمع ذلك في ضربهما بمائة شمراخ. قيل: قد جعل الله له مخرجا بالكفارة، ويجب عليه أن يكفر يمينه، ويقضي الله بالبر في يمينه ههنا، ولا يحل له أن يبر فيها، بل بره هو حنثه مع الكفارة، ولا يحل له أن يضربها لا مفرقا ولا مجموعا.
فإن قيل: فإذا كان الضرب واجبا كالحد، هل تقولون ينفعه ذلك؟ قيل: إما أن يكون العذر مرجو الزوال كالحر والبرد الشديد، والمرض اليسير، فهذا ينتظر زواله. ثم يحد الحد الواجب. كما روى مسلم في صحيحه عن علي رضي الله عنه،
" أن أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم زنت، فأمرني أن أجلدها. فأتيتها فإذا هي حديثة عهد بنفاس، فخشيت إن جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: " أحسنت اتركها حتى تماثل " "