فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم
[النساء: 65]، الآية ثم إنه نسخ ﴿ لا إكراه في الدين ﴾ فأمر بقتال أهل الكتاب في سورة «براءة». والصحيح في سبب قوله تعالى: ﴿ فلا وربك لا يؤمنون ﴾ حديث الزبير مع جاره الأنصاري في السقي، على ما يأتي في «النساء» بيانه إن شاء الله تعالى. وقيل: معناها لا تقولوا لمن أسلم تحت السيف مجبرا مكرها وهو القول الخامس. وقول سادس، وهو أنها وردت في السبي متى كانوا من أهل الكتاب لم يجبروا إذا كانوا كبارا، وإن كانوا مجوسا صغارا أو كبارا أو وثنيين فإنهم يجبرون على الإسلام لأن من سباهم لا ينتفع بهم مع كونهم وثنيين ألا ترى أنه لا تؤكل ذبائحهم ولا توطأ نساؤهم، ويدينون بأكل الميتة والنجاسات وغيرهما، ويستقذرهم المالك لهم ويتعذر عليه الانتفاع بهم من جهة الملك فجاز له الإجبار. ونحو هذا روى ابن القاسم عن مالك. وأما أشهب فإنه قال: هم على دين من سباهم، فإذا امتنعوا أجبروا على الإسلام، والصغار لا دين لهم فلذلك أجبروا على الدخول في دين الإسلام لئلا يذهبوا إلى دين باطل. فأما سائر أنواع الكفر متى بذلوا الجزية لم نكرههم على الإسلام سواء كانوا عربا أم عجما قريشا أو غيرهم. وسيأتي بيان هذا وما للعلماء في الجزية ومن تقبل منه في «براءة» إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: ﴿ فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله ﴾ جزم بالشرط. والطاغوت مؤنثة من طغى يطغى. وحكى الطبري يطغو إذا جاوز الحد بزيادة عليه. ووزنه فعلوت، ومذهب سيبويه أنه اسم مذكر مفرد كأنه اسم جنس يقع للقليل والكثير. ومذهب أبي علي أنه مصدر كرهبوت وجبروت، وهو يوصف به الواحد والجمع، وقلبت لأمه إلى موضع العين وعينه موضع اللام كجبذ وجذب، فقلبت الواو ألفا لتحركها وتحرك ما قبلها فقيل طاغوت واختار هذا القول النحاس. وقيل: أصل طاغوت في اللغة مأخوذة من الطغيان يؤدي معناه من غير اشتقاق، كما قيل: لآل من اللؤلؤ. وقال المبرد: هو جمع. وقال ابن عطية: وذلك مردود.
قال الجوهري: والطاغوت الكاهن والشيطان وكل رأس في الضلال، وقد يكون واحدا قال الله تعالى:
يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به
[النساء: 60]. وقد يكون جمعا قال الله تعالى:
أوليآؤهم الطاغوت
[البقرة: 257] والجمع الطواغيت. «ويؤمن بالله» عطف. ﴿ فقد استمسك بالعروة الوثقى ﴾ جواب الشرط، وجمع الوثقى الوثق مثل الفضلى والفضل فالوثقى فعلى من الوثاقة، وهذه الآية تشبيه. واختلفت عبارة المفسرين في الشيء المشبه به فقال مجاهد: العروة الإيمان. وقال السدي: الإسلام. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك: لا إله إلا الله وهذه عبارات ترجع إلى معنى واحد. ثم قال: ﴿ لا انفصام لها ﴾ قال مجاهد: أي لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، أي لا يزيل عنهم اسم الإيمان حتى يكفروا. والانفصام: الانكسار من غير بينونة. والقصم: كسر ببينونة وفي صحيح الحديث:
" فيفصم عنه الوحي وإن جبينه ليتفصد عرقا "
أي يقلع. قال الجوهري: فصم الشيء كسره من غير أن يبين، تقول: فصمته فانفصم قال الله تعالى ﴿ لا انفصام لها ﴾ وتفصم مثله قال ذو الرمة يذكر غزالا يشبهه بدملج فضة:
كأنه دملج من فضة نبه
في ملعب من جواري الحي مفصوم
وإنما جعله مفصوما لتثنيه وانحنائه إذا نام. ولم يقل «مقصوم» بالقاف فيكون بائنا باثنين. وافصم المطر: أقلع. وأفصمت عنه الحمى. ولما كان الكفر بالطاغوت والإيمان بالله مما ينطق به اللسان ويعتقده القلب حسن في الصفات ﴿ سميع ﴾ من أجل النطق ﴿ عليم ﴾ من أجل المعتقد.