قالا ربنا ظلمنآ أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين
[الأعراف: 23]. هذه الآية الكريمة دلتنا على أن ذنب آدم لم يكن من ذنوب الاستكبار، ولكن من ذنوب الغفلة.. بينما كان ذنب إبليس من ذنوب الاستكبار على أمر الله، ولكن آدم عندما عصى حدث منه انكسار. فقال: يا ربي أمرك بألا أقرب الشجرة حق، ولكني لم أقدر على نفسي. فآدم أقر بحق الله في التشريع. بينما إبليس اعترض على هذا الأمر وقال:
أأسجد لمن خلقت طينا
[الإسراء: 61]. الكلمات التي تلقاها آدم من الله سبحانه وتعالى قد تكون:
ربنا ظلمنآ أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين
[الأعراف: 23] وقد تكون:.. اللهم لا إله إلا أنت سبحانك ربي وبحمدك. إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا فاغفر لي يا خير الغافرين.. أو اقبل توبتي يا خير التوابين.. أو قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله.. المهم أن الله سبحانه وتعالى قد أوحى لآدم بكلمات يتقرب بها إليه سواء كانت هذه الآية الكريمة أو كلمات أخرى. لو نظرنا إلى تعليم الله آدم لكلمات ليتوب عليه، لوجدنا مبدأ مهما في حياة المجتمع، لأن الله سبحانه وتعالى كما قلنا: لو لم يشرع التوبة ولو لم يبشرنا بأنه سيقبلها، لكان الذي يذنب ذنبا واحدا لا يرجع عن المعصية أبدا، وكان العالم كله سيعاني.
والله سبحانه وتعالى خلقنا مختارين ولم يخلقنا مقهورين. القهر يثبت صفة القدرة لله، ولكن الله سبحانه وتعالى يريد منا أن نأتي عن حب وليس عن قهر، ولذلك خلقنا مختارين، وجعل لنا طاقة تستطيع أن تعصي وأن تطيع. وما دام هناك اختيار، فالإنسان يختار هذه أو تلك. إن الله لم يخلق بشرا يختارون الخير على طول الخط وبشرا يختارون الشر في كل وقت. فهناك من الخيرين من يقع في الشر مرة، وهناك من الشريرين من يعمل الخير مرة. فالعبد ليس مخلوقا أن يختار خيرا مطلقا، أو أن يختار شرا مطلقا.. ولذلك فأحيانا ننسى أو نسهو، أو نعصي. وما دام العبد معرضا للخطيئة، فالله سبحانه وتعالى شرع التوبة، حتى لا ييأس العبد من رحمة الله، ويتوب ليرجع إلى الله. وقد جاء في الحكمة: " رب معصية أورثت ذلا وانكسارا خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا ". وهكذا عندما نزل آدم ليباشر مهمته في الحياة، لم يكن يحمل أي خطيئة على كتفيه، فقد أخطأ وعلمه الله تعالى كلمات التوبة. فتاب فتقبل الله توبته. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿ إنه هو التواب الرحيم ﴾ [البقرة: 37].. كلمة تواب تدل على أن الله تعالى لا يأخذ عباده بذنب واحد. لأنه سبحانه وتعالى حتى لو تاب عن ذنب واحد لكل عبد من عباده كان توابا. والمبالغة في الصفة تأتي من ناحيتين: أولا إن الأمر يتكرر عدة مرات من عدد قليل من الأشخاص، أو من شخص واحد، أو أن الأمر يقع مرة واحدة ولكن من أشخاص كثيرين. فإذا قلت مثلا: فلان أكول، قد يكون أكولا لأنه يأكل كمية كبيرة من الطعام، فيسمى أكولا.. إنه لا يتجاوز طعامه في عدد مراته وجبات الطعام العادي للإنسان، ولكنه يأكل كمية كبيرة، فنسميه أكولا، فيأكل مثلا عشرة أرغفة في الإفطار ومثلها في الغداء ومثلها في العشاء. وقد يكون الإنسان أكولا إذا تكرر الفعل نفسه.. كأن يأكل كميات الطعام العادية ولكنه يأكل في اليوم خمس عشرة مرة مثلا، فالله سبحانه وتعالى تواب لأن خلقه كثيرون. فلو اخطأ كل واحد منهم مرة، يكون عدد ذنوبهم التي سيتوب الله عليها كمية هائلة. فإذا وجد من يذنب عدة مرات في اليوم، فإن الله تعالى، يكون توابا عنه أيضا إذا تاب واتجه إليه. إذن مرة تأتي المبالغة في الحدث وإن كان الذي يقوم به شخص واحد، ومرة تأتي المبالغة في الحدث لأن من يقوم به أفراد متعددون. إذن: فآدم أذنب ذنبا واحدا يقتضي أن يكون الله تائبا، ولكن ذرية آدم من بعده سيكونون خلقا كثيرا.. فتأتي المبالغة من ناحية العدد. وقوله تعالى: ﴿ إنه هو التواب الرحيم ﴾ [البقرة: 37] سيدنا عمر جاءته امرأة تصيح وتصرخ لأن ابنها ضبط سارقا.