ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن..
[غافر: 40]. إذن: فهما متساويان في هذه الناحية، هذه الجنة ماذا وفر الله سبحانه وتعالى لآدم وزوجه فيها؟ اقرأ قوله تبارك وتعالى:
إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى * وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى
[طه: 118-119]. هذه عناصر الحياة التي وفرها الله لآدم وزوجه في جنة التجربة الإيمانية العملية على التكليف. وهكذا نرى من الأوصاف التي أعطاها الله سبحانه وتعالى لنا لهذه الجنة أنها ليست جنة الآخرة لأنها أولا فيها تكليف، في قوله تعالى: ﴿ ولا تقربا هذه الشجرة ﴾ [البقرة: 35] وجنة الآخرة لا تكليف فيها، والحق تبارك وتعالى أباح لآدم وحواء أن يأكلا كما يشاءان من الجنة. والجنة فيها أصناف كثيرة متعددة. ولذلك قال: ﴿ حيث شئتما ﴾ [البقرة: 35]. وأنت لا تستطيع أن تقدم لإنسان صنفا أو صنفين وتقول له: كل ما شئت لأنه لا يوجد أمامه إلا مجال ضيق للاختيار، كما أن قلة عدد الأصناف تجعل النفس تمل، ولذلك لابد أن يكون هناك أصناف متعددة وكثيرة. ثم جاء النهي في قوله تعالى: ﴿ ولا تقربا هذه الشجرة ﴾ [البقرة: 35] أي: لا تقتربا من مكانها، ولكن لماذا لم يقل الحق سبحانه وتعالى: ولا تأكلا من هذه الشجرة؟ لأن الله جل جلاله رحمة بآدم وزوجه كان لا يريدهما أن يقعا في غواية المعصية. فلو أنه قال: ولا تأكلا من هذه الشجرة لكان مباحا لهما أن يقتربا منها، فتجذبهما بجمال منظرها ويقتربان من ثمارها فتفتنهما برائحتها العذبة ولونها الجذاب، حينئذ يحدث الإغواء، وتمتد أيديهما تحت هذا الإغراء إلى الشجرة ليأكلا منها. ولكن الله تعالى يعلم أن النفس البشرية إذا حرم عليها شيء، ولم تحم حوله كان ذلك أدعى ألا تفعله، فالله تعالى حين حرم الخمر لم يقل حرمت عليكم الخمر، وإلا كنا جلسنا في مجالس الخمر ومع الذين يشربونها، أو نتاجر فيها وهذا كله إغراء بشرب الخمر.
. ولكنه قال:
يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون
[المائدة: 90]. هذا النص الكريم قد جعلنا نبتعد عن الأماكن التي فيها الخمور. فلا نجلس مع من يشربونها، ولا نتاجر فيها حتى لا نقع في المعصية، فإذا رأيت مكانا فيه خمر فابتعد عنه في الحال، حتى لا يغريك منظر الخمر وشاربها بأن تفعل مثله. والحق جل جلاله يقول في المحرمات: ﴿ ولا تقربا ﴾ [البقرة: 35] واجتنبوا.. أي: لا تحوموا حولها. لأنها إذا كانت غائبة عنك فلا تخطر على بالك فلا تقع فيها. ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:
" إن الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه "
ولقد كان بعض الناس يقبلون على شرب الخمر ويقولون: إنه لم يرد فيها تحريم صريح.. فلم تأت مسبوقة بكلمة " حرمت ".. نقول: إن كلمة اجتنبوا أشد من التحريم، فقوله تعالى:
فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور
[الحج: 30] معناه ألا تنظر حتى إلى الصنم واجتناب الخمر ألا تقع عينك عليها. وقد اختلف الناس في نوع هذه الشجرة، وهل هي شجرة تفاح أو تين أو عنب أو غير ذلك؟ ونحن نقول: ليس هذا هو المقصود، ولكن المقصود هو التحريم لأن منهج الله سبحانه وتعالى يحلل أشياء، ويحرم أشياء. وقوله تعالى: ﴿ فتكونا من الظالمين ﴾ [البقرة: 35] الظلم هو الجور والتعدي على حقوق الغير. والظالم هو من أخذ فوق ما يستحقه بغير حق. والظلم يقتضي ظالما ومظلوما، وموضوعا للظلم. فكل حق - سواء كان ماديا أو معنويا - يعتدي عليه إنسان بدون حق فقد حمل ظلما - حتى الإنسان، فإنه أحيانا يظلم نفسه. واقرأ قوله تعالى: