وهكذا علم الله سبحانه وتعالى آدم الأسماء كلها، ثم عرضهم على الملائكة وقال لهم ﴿ أنبئوني بأسمآء هؤلاء إن كنتم صادقين ﴾ [البقرة: 31]؟ أي أن الله سبحانه وتعالى كرم آدم في العلم، وأعطاه علما لم يعطه للملائكة. ثم جعل آدم هو الذي يعلمهم أسماء مسميات لم يعرفوها. وهذا دليل على طلاقة قدرة الله سبحانه وتعالى الذي يفعل ما يشاء في كونه، وكما قلنا: إن تمييز الأدنى عن الأعلى لا يتم إلا بفعل الله وحده. ولكي نقرب هذا إلى العقول: هب أن إنسانا ضعيفا يريد أن يحمل حملا ثقيلا.. إنه لا يقدر. وإذا كان هناك إنسان قوي يعينه فإنه لا يستطيع أن يعطيه من قوته ليحمل هذا الحمل، ولكن يعينه بأن يحمل عنه. أما الذي يستطيع أن يجعل هذا الضعيف قويا يمكنه أن يحمل هذا الحمل الثقيل فهو الله سبحانه وتعالى. فالإنسان لا يستطيع أن يعطي إنسانا آخر من قوته، ولكن الله وحده هو القادر على أن يجعل الضعيف قويا والقوي ضعيفا. وقوله تعالى: ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ [البقرة: 31] وهل يكذب الملائكة؟ إن الملائكة خلق من نور يسبحون الله، ويفعلون ما يؤمرون.. نقول إن قوله تعالى ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ [البقرة: 31] فيما قستم عليه الأحداث، أو فيما قلتموه ضربا بالغيب. ولو أن الملائكة قاسوا حكمهم على حكم جنس آخر كان في الأرض كالجن مثلا الذين خلقوا قبل الإنسان.. فيقول الحق سبحانه وتعالى: إنكم أخطأتم في قياسكم هذا، أو إن كنتم صادقين فيما تنبأتم به من غيب فلا يعلم الغيب إلا الله تعالى. فالقياسان جانبهما التوفيق. وليس هذا طعنا في الملائكة، ولكنه تصحيح لهم، وتعريف لنا بأن الملائكة لا يعلمون الغيب. ولذلك فهم حينما قاسوا أو حكموا على غيب.. جانبهم التوفيق لأن الله وحده هو علام الغيوب والذي دفع الملائكة إلى أن يقولوا أو يبطنوا هذا الكلام هو حبهم الشديد لله تعالى.. وكراهيتهم للإفساد في كونه.
خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٨٢
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
خواطر محمد متولي الشعراويص ٨٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي