" يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك.. وإلا تفعل ملأت يدك شغلا ولم أسد فقرك "
إذن: كلمة خليفة تأخذ عدة معان. ماذا قالت الملائكة: ﴿ قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك.. ﴾. كيف عرف الملائكة ذلك؟ لابد أن هناك حالة قبلها قاسوا عليها، أو أنهم ظنوا أن آدم سيطغى في الأرض، ولكن كلمة " سفك " وكلمة " دم " كيف عرفتهما الملائكة وهي لم تحدث بعد؟ لابد أنهم عرفوها من حياة سابقة.
والله سبحانه وتعالى يقول:
والجآن خلقناه من قبل من نار السموم
[الحجر: 27]. فكأن الجن قد خلق قبل الإنسان. وقوله تعالى: ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون ﴾ [البقرة: 30]. معنى ذلك أن علمك أيها المخلوق مناسب لمخلوقيتك، أما علم الله سبحانه وتعالى.. فهو أزلي لا نهائي. ولكن هل قال الملائكة حين أخبرهم الله بخلق آدم ذلك علنا أم أسروه في أنفسهم؟ سواء قالوه أم أسروه، فقد علمه الله لأنه يعلم ما يسرون وما يعلنون. وأنه يعلم السر وأخفى. فما هو السر. وما هو الأخفى من السر؟ السر هو ما أسررته إلى غيرك. فما أسر به إلى غيري، فهو السر. وما أخفيه في صدري ولا يطلع عليه أحد هو أخفى من السر. فلا يقال: أسررت إلا إذا بحت به لغيري. أما ما أخفيه في صدري، فلا يعلمه أحد إلا الله فهذا هو الأخفى من السر. وعندما يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون ﴾ [البقرة: 30] أراد أن يعطي القضية بعدها الحقيقي. وقد حكى القرآن الكريم قول الملائكة: ﴿ ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك.. ﴾ [البقرة: 30]. والتسبيح هو التنزيه عما لا يليق بذات المنزه. والتقديس هو التطهير مأخوذ من القدس وهو الدلو الذي كانوا يتطهرون به. ولذلك نحن نقول سبوح قدوس. سبوح أي منزه عن كل ما لا يليق بجلاله. وقدوس. أي مطهر.. التسبيح يحتاج إلى مسبح. وإلى ما نسبحه. والملائكة قالوا:
سبحانك لا علم لنآ إلا ما علمتنآ..
[البقرة: 32]. وهذا تسبيح وتنزيه لله سبحانه وتعالى.. والتسبيح والتنزيه لا يكونان إلا للكمال المطلق الذي لا تشوبه أية شائبة، والكمال المطلق هو لله سبحانه وتعالى وحده. لذلك صرف الله ألسنة خلقه عن أن يقولوا كلمة سبحانك لغير الله تعالى. فلا تسمع في حياتك أن إنسانا قال لبشر سبحانك. وهكذا صرفت ألسنة الخلق عن أن تسبح لغير الله سبحانه وتعالى. وقول الملائكة: ﴿ ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك.. ﴾ [البقرة: 30] كأن نقول سبحان الله وبحمده. ومعناها تنزيه لله سبحانه وتعالى في ذاته.. فلا تشبه بذات، وفي صفاته. فلا تشبه بصفات وفي أفعاله، فلا تشبه بأفعال.. ولكن ما معنى كلمة وبحمده؟ معناها أننا ننزهك ونحمدك. أي يا رب تنزيهي لك نعمة. ولذلك فإني أحمدك على أنك أعطيتني القدرة لأنزهك، والتقديس هو تطهير الله سبحانه وتعالى من كل الأغيار. ولأنك يا ربي قدوس طاهر. لا يليق أن يرفع إليك إلا طاهر. ولا يليق أن يصدر عمن خلقته بيديك إلا طاهر. إنه عرفنا معنى ﴿ ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك.. ﴾ [البقرة: 30]. ثم أراد الله بحكمته أن يرد على الملائكة فقال: ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون ﴾ [البقرة: 30] ولم يطلقها هكذا. ولكنه سبحانه أتى بالقضية التي تؤكد صدق الواقع.