تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأوحينآ إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رآدوه إليك وجاعلوه من المرسلين

[القصص: 7]. وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه وتعالى:

إذ أوحينآ إلى أمك ما يوحى * أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له..

[طه: 38-39]. والفهم السطحي يظن أن هذا تكرار ونقول لا. فقوله تعالى:

وأوحينآ إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم..

[القصص: 7]. هذه اللقطة تدل على أن الله سبحانه وتعالى يعد أم موسى إعدادا إيمانيا للحدث، ولكن عند وقوع الحدث تتغير القصة على نمط سريع

أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل..

[طه: 39]. كلام يناسب لحظة وقوع الحدث.. فالآية الأولى.. بينت لنا أن أم موسى أرضعته قبل أن تضعه في التابوت، وأنها ستلقيه في اليم عندما يحدث خطر وتخاف عليه من القتل، وفيه تطمين لها. ألا تخاف ولا تحزن. لأن الله منجيه، وفيها بشارتان: أن الله سيرده لأمه، وأن الله قد اختاره رسولا. نأتي إلى الآية الثانية التي تكمل لنا هذه اللقطة، فتقول

أن اقذفيه في التابوت..

[طه: 39]. هنا نعرف أن أم موسى ستلقيه في تابوت، وهو ما لم يذكر في الآية السابقة، ثم بعد ذلك نعلم أن الله سبحانه وتعالى أصدر أمره إلى الماء أن يلقى التابوت إلى الساحل، وهذا ما لم يرد في الآية السابقة، ونعرف أيضا أن الذي سيأخذه وهو فرعون، ستكون بينهما عداوة متبادلة.. وهكذا نرى أن آيتي القصة يكمل بعضهما بعضا، وليس هناك تكرار. والله سبحانه وتعالى في الآية الثانية يريد أن يثبت أنه ستكون هناك عداوة متبادلة بين موسى وفرعون.. كما أثبتت عداوة فرعون لله جل جلاله ولموسى، فقال:

عدو لي وعدو له..

[طه: 39]. ولكن العداوة لا تستقر إلا إذا كانت متبادلة. فتأتي آية ثالثة لتكمل الصورة.. في قوله تعالى:

فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا..

[القصص: 8]. وهكذا بينت لنا الآية الكريمة كيف أن العداوة بين فرعون وموسى ستسقر حتى يقضى على فرعون. لأنه إذا كان إنسان عدوا لك، وأنت تقابل العداوة بالإحسان، تخمد العداوة بعد قليل. إذن: هذه الآيات ليست تكرارا ولكنها آيات تكمل القصة، وتعطينا الصورة الكاملة المتكاملة. ولكن لماذا لم تأت قصة موسى متكاملة كقصة يوسف؟ لأن الله سبحانه وتعالى يريد أن يثبت بها نبينا عليه الصلاة والسلام والمؤمنين، فتأتي هنا لقطة وهنا لقطة لتؤدي ما هو مطلوب من التثبيت بما لا يخل.. لأن الآيات تعطينا القصة متكاملة. وهكذا قصة آدم، جاءت لنا في آيات متعددة، لتعطينا في مجموعها قصة كاملة. وفي الوقت نفسه كل آية لها حكمة يحتاجها التوقيت الذي نزلت فيه، فالله سبحانه وتعالى يروي لنا بداية الخلق، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

" كلكم بنو آدم وآدم خلق من تراب ".

والحق سبحانه وتعالى يريد أن يعرفنا كيف بدأ الخلق، وقصة عداوة إبليس لآدم وذريته.. فتكلم الله سبحانه وتعالى عن أول البشر. عرفنا اسمه، وهو آدم عليه السلام. وتكلم عن المادة التي خلق منها. وتكلم عن المنهج الذي وضعه لآدم، وحدثنا عن النقاش الذي دار مع الملائكة. كما أخبرنا بأن آدم سيكون خليفة في الأرض، وأنه علمه الأسماء كلها ليقود حركة حياته، وعلمنا منطق علم الأشياء، وعلم مسمياتها، وحدثنا عن الحوار الذي حدث بين إبليس أمام ربه حينما أبى السجود، وبين لنا حجة إبليس في الامتناع عن السجود، وخطة إبليس ومدخله إلى قلوب المؤمنين بالإغواء والوسوسة وغير ذلك.

إذن: فهناك أشياء كثيرة تتعرض لها قصة آدم، ولو أن بشرا يريد أن يؤرخ لآدم ما استطاع أن يأتي بكل هذه اللقطات، ولكن الحق سبحانه وتعالى جعل كل لقطة تأتي للتثبيت. والآية الكريمة التي نحن بصددها لم تأت في " سورة الأعراف " ولا في " الحجر " ولا في " الإسراء " ولا في " الكهف " ولا في " طه ". وبهذا نعرف أنه ليس هناك تكرار.. فالله سبحانه وتعالى أخبر ملائكته بأنه جاعل في الأرض خليفة. هنا لابد لنا من وقفة. أخلق آدم كفرد أم خلقه الله وكل ذريته مطمورة فيه إلى يوم القيامة، إذا قرأنا القرآن الكريم نجد أن الله سبحانه وتعالى يقول:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٧٨