تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب..

[الحج: 5]. وقوله تعالى:

ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين

[المؤمنون: 12]. وقوله تعالى:

إنا خلقناهم من طين لازب

[الصافات: 11]. وقوله تعالى:

ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون

[الحجر: 26]. وقوله تعالى:

فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين

[ص: 72]. فالحق تبارك وتعالى أخبرنا عن مرحلة في الخلق لم نشهدها، ولكن الموت شيء مشهود لنا جميعا.. وما دام مشهودا لنا، يأتي الحق سبحانه وتعالى به كدليل على مراحل الخلق التي لم نشهدها.. فالموت نقص للحياة، والحياة أخبرنا الله تبارك وتعالى بأطوارها، ولكنها غيب لم نشهده. ولكن الذي خلق قال: أنا خلقتك من تراب.. من طين. من حمأ مسنون. من صلصال كالفخار.. فالماء وضع على تراب فأصبح طينا.. والطين تركناه فتغير لونه وأصبح صلصالا.. الصلصال.. جف فأصبح حمأ مسنونا، ثم نحته في صورة إنسان ونفخ الحق سبحانه وتعالى فيه الروح فأصبح بشرا.. ثم يأتي الموت وهو نقض للحياة، ونقض كل شيء يأتي على عكس بنائه. بناء العمارة يبدأ من أسفل إلى أعلى، وهدمها يبدأ من أعلى إلى أسفل.. ولذلك فإن آخر مرحلة من رحلة ما.. هي أول خطوة في طريق العودة، فإذا كنت مسافرا إلى الإسكندرية.

. فأول مكان في طريق العودة هو آخر مكان وصلت إليه. أول شيء يخرج من الجسد هو الروح وهو آخر ما دخل فيه.. ثم بعد ذلك يتصلب الجسد ويصبح كالحمأ المسنون، ثم يتعفن فيصبح كالصلصال، ثم يتبخر الماء الذي فيه فيعود ترابا.. وهكذا يكون الموت نقض صورة الحياة.. متفقا مع المراحل التي بينها لنا الحق سبحانه وتعالى. وقوله تعالى: ﴿ ثم إليه ترجعون ﴾ [البقرة: 28].. أي: أن الله تبارك وتعالى يبعثكم ليحاسبكم.. لقد حاول الكفار والملحدون وأصحاب الفلسفة المادية أن ينكروا قضية البعث.. وهم في هذا لم يأتوا بجديد، بل جاءوا بالكلام نفسه الذي قاله أصحاب الجاهلية الأولى.. واقرأ قوله تعالى عما يقوله أصحاب الجاهلية الأولى:

وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنآ إلا الدهر..

[الجاثية: 24]. وأمنية الكافر والمسرف على نفسه ألا يكون هناك بعث أو حساب، والذين يتعجبون من ذلك نقول لهم: أن الله سبحانه وتعالى الذي أوجدكم من عدم يستطيع أن يعيدكم وقد كنتم موجودين.. يقول جل جلاله:

وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم

[الروم: 27]. فإيجاد ما كان موجودا أسهل من الإيجاد من عدم على غير مثال موجود، والله سبحانه وتعالى يرد على الكفار فيقول سبحانه:

وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم * قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة وهو بكل خلق عليم

[يس: 78-79]. وهكذا، فإن البعث أهون على الله من بداية الخلق، وكل شيء مكتوب عند الله سبحانه وتعالى في كتاب مبين.. وما أخذته الأرض من جسد الإنسان ترده يوم القيامة ليعود من جديد. وخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الإنسان.. واقرأ قوله تعالى:

لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون

[غافر: 57]. وقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ ثم إليه ترجعون ﴾ [البقرة: 28].. هو اطمئنان لمن آمن.. وما دمنا إليه نرجع ومنه بدأنا. فالحياة بدايتها من الله ونهايتها إلى الله، فلنجعلها هي نفسها لله.. ولابد أن نلتفت إلى أن الله تبارك وتعالى أخفى عنا الموت زمانا ومكانا وسببا وعمرا.. لم يخفه ليحجبه، وإنما أخفاه حتى نتوقعه في كل لحظة.. وهذا إعلام واسع بالموت حتى يسرع الناس إلى العمل الصالح، وإلى المثوبة. لأنه لا يوجد عمر متيقن في الدنيا.. فلا الصغير آمن على عمره، ولا الشاب آمن على عمره، ولا الكهل آمن على عمره.. ولذلك يجب أن يسارع كل منا في الخيرات حتى لا يفاجئه الموت، فيموت وهو عاص.. ونلاحظ أن قصة الحياة جاء الله بها في آية واحدة.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٧٢