إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما
[الفرقان: 70]. إن الحق يطمئننا على أن ما نصنعه من خير نجده في كفة الميزان، ويطمئننا أيضا على أنه - سبحانه - سيجازينا على ما أصابنا من شر الأشرار وأننا سنأخذ من حسناتهم لتضاف إلى ميزاننا، إذن فالطمأنينة جاءت من طرفين: طمأننا الحق على ما فعلناه من خير، فلا ينسى أنه يدخل في حسابنا، وطمأننا أيضا على ما أصابنا من شر الأشرار وسيأخذ الحق من حسناتهم ليضيفها لنا. ونحن نجد في الكون كثيرا من الناس قد يحبهم الله لخصلة من خصال الخير فيهم، وقد تكون هذه الخصلة الخيرة خفية فلا يراها أحد، لكن الله الذي لا تخفى عليه خافية يرى هذه الخصلة في الإنسان، ويحبه الله من أجلها، ويرى الحق أن حسنات هذا الرجل قليلة، فيجعل بعض الخلق يصيبون هذا الرجل بشرورهم وسيئاتهم حتى يأخذ من حسنات هؤلاء ليزيد في حسنات هذا الرجل.
ومعنى ﴿ تبدوا ما في أنفسكم ﴾ [البقرة: 284] أي تصيروا الوجدانيات إلى نزوعيات عملية، ولكن هل معنى ﴿ أو تخفوه ﴾ [البقرة: 284] هو ألا تصيروا الوجدانيات النفسية إلى نزوعيات عملية؟ لا، فليس لكل شيء نزوع عملي، ومثال ذلك الحب إن الإنسان قد يحب، ولا يجد القدرة على النزوع ليعلن بهذا النزوع أنه محترق في حبه، وكذلك الذي يحقد قد لا يجد القدرة على النزوع ليعلن بهذا النزوع عن حقده، إذن فهناك أعمال تستقر في القلوب، فهل يؤاخذ الله بما استقر في النفوس؟ إن هذه المسألة تحتاج إلى دقة بالغة لأننا وجدنا بعضا من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وقفوا فيها موقفا أبكى بعضهم، هذا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما حينما سمع هذه الآية قال: لئن آخذنا الله على ما أخفينا في نفوسنا لنهلكن. وبكى حتى سمع نشيجه بالبكاء. وبلغ ذلك الأمر ابن عباس فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن لقد وجد إخوانه المسلمون مثلما وجد من هذه الآية. فأنزل الله بعدها
لا يكلف الله نفسا إلا وسعها
[البقرة: 286] إلى آخر السورة. ولنعلم أن نوازع النفس كثيرة فهناك شيء اسمه " هاجس " وهناك شيء آخر اسمه " خاطر " وهناك ما يسمى " حديث نفس " ، وهناك " هم " وهناك " عزم " ، إنها خمس حالات، والأربع الأولى من هذه الحالات ليس فيها شيء، إنما الأخيرة التي يكون فيها القصد واضحا يجب أن نتنبه لها ولنتناول كل حالة بالتفصيل. إن الهاجس هو الخطرة التي تخطر دفعة واحدة، أما الخاطر فهو يخطر.. أي يسير في النفس قليلا، وأما حديث النفس فإن النفس تظل تتردد فيه، وأما الهم فهو استجماع الوسائل، وسؤال النفس عن كل الوسائل التي ينفذ بها الإنسان رغباته، أما العزم القصد فهو الوصول إلى النهاية والبدء في تنفيذ الأمر. والقصد هو الذي يعني به قوله تعالى: ﴿ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ﴾ [البقرة: 284] وقد وجدنا كثيرا من العلماء قد وقفوا عند هذا القول وتساءل بعض من العلماء: هل الآية التي جاءت بعد ذلك والتي يقول فيها:
لا يكلف الله نفسا إلا وسعها
[البقرة: 286] هل هي نسخ للآية السابقة عليها؟ ولكن نحن نعرف أن الآية هي خبر، والأخبار لا تنسخ إنما الأحكام هي التي يتم نسخها، وعلى ذلك يكون القصد والعزم على تنفيذ الأمر هو المعنى بقوله الحق: ﴿ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ﴾ [البقرة: 284] فهذا هو الذي يحاسبنا الله عليه.
وعندما يقول الحق سبحانه: ﴿ فيغفر لمن يشآء ﴾ [البقرة: 284] فمن هم؟ لقد بين الله من يشاء المغفرة لهم، إنهم الذين تابوا، وهم الذين أنابوا إلى الله، هم الذين قال فيهم الحق:
إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما
[الفرقان: 70]. وتبديل المغفرة حسنة مسألة يجب أن يقف عندها الإنسان المكلف من الله وقفة ليرى فضل الله، لأن الذي صنع سيئة ثم آلمته، فكما آلمته السيئة التي ارتكبها وحزن منها، فإن الله يكتب له حسنة. ولكن الذي لم يصنع سيئة لا تفزعه هذه، وبعض العارفين يقول: رب معصية أورثت ذلا وانكسارا خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا. إنك لتجد الخير الشائع في الوجود كله ربما كان من أصحاب الإسراف على أنفسهم في شيء ما قد اقترفوه وتابوا عنه ولكنه لا يزال يؤرقهم. يكون الواحد منهم قويا في كل شيء، إلا أنه ضعيف أمام مسألة واحدة، وضعفه أمام هذه المسألة الواحدة جعله يعصي الله بها وهو يحاول جاهدا في النواحي التي ليس ضعيفا فيها أن يزيد كثيرا في حسناته، حتى يمحو ويذهب الله هذه بهذه. فالخير الشائع في الوجود ربما كان من أصحاب السيئات الذين أسرفوا على أنفسهم في ناحية من النواحي، فيشاء الله سبحانه وتعالى أن يجعلهم متجهين إلى نواح من الخير قائلين: ربما هذه تحمل تلك. لكن الذي يظل رتيبا هكذا لا تلذعه معصية ربما تظل المسائل فاترة في نفسه. ولذلك يجب أن ننظر إلى الذين أسرفوا على أنفسهم لا في زاوية واحدة، ولكن في زوايا متعددة، ونتأدب أمامهم وندعو الله أن يعفيهم مما نعرفه عنهم، وأن يبارك لهم فيما قدموه ليزيل الله عنهم أوزار ما فعلوا. وبعض العلماء يرى في قوله الحق: ﴿ فيغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء ﴾ [البقرة: 284] أن الله قد جعل المغفرة أمرا متعلقا بالعابد لله، فإن شئت أن يغفر الله لك فأكثر من الحسنات حتى يبدل الله سيئاتك إلى حسنات. وإن شئت أن تعذب - وهذا أمر لا يشاؤه أحد - فلا تصنع الحسنات. وهذه المسألة تجعلنا نعرف أن الحق سبحانه وتعالى حين يطلب منا الإيمان به فإنه يملكنا الزمام. وبمجرد إيماننا به فنحن نتلقى منه زمام الاختيار، والدليل واضح في الحديث القدسي: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله - عز وجل -: