" لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله ".
إنها موعظة من الله جاءت، الموعظة إن كانت من غير مستفيد منها، فالمنطق أن تقبل - بضم التاء - أما الموعظة التي يشك فيها، فهي الموعظة التي تعود على الواعظ بشيء ما. فإذا كانت الموعظة قد جاءت ممن لا يستفيد بهذه الموعظة، فهذه حيثية قبولها ﴿ فمن جآءه موعظة من ربه فانتهى ﴾ [البقرة: 275]، ولنر كلمة " ربه " حينما تأتي هنا فلنفهم منها أن المقصود بها الحق سبحانه الذي تولى تربيتكم، ومتولي التربية خلقا بإيجاد ما يستبقي الحياة، وإيجاد ما يستبقي النوع، ومحافظة على كل شيء بتسخير كل شيء لك أيها الإنسان، فيجب أن تكون أيها الإنسان مهذبا أمام ربك فلا توقع نفسك في اتهام الرب الخالق في شبهة الاستفادة من تلك الموعظة - معاذ الله -.
لماذا؟ لأن الخالق رب، وما دام الخالق ربا فهو المتولي تربيتكم، فإياك أيها الإنسان أن تتأبى على عظة المربي. ﴿ فمن جآءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف ﴾ [البقرة: 275] ومعنى ذلك أن الأمر لن يكون بأثر رجعي فلا يؤاخذ بما مضى منه لأنه أخذ قبل نزول التحريم تلك هي الرحمة، لماذا؟ لأنه من الجائز أن يكون المرابي قد رتب حياته ترتيبا على ما كان يناله من ربا قبل التحريم، فإذا كان الأمر كذلك فإن الحق سبحانه وتعالى يعفو عما قد سلف. وعلى المرابي أن يبدأ حياته في الوعاء الاقتصادي الجديد. تلك هي عظمة التشريع الرباني ﴿ فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ﴾ [البقرة: 275] أي أن له ما سبق وما مضى قبل تحريم الربا. وتفيد كلمة " وأمره إلى الله " أن الله سبحانه وتعالى حينما يعفو عما سلف فله طلاقة الحرية في أن يقنن ما شاء، فيجب أن تتعلق دائما باستدامة الفضل من الله. " وأمره إلى الله " إن مثل هذا الإنسان ربما قال: سأنهار اقتصاديا ومركزي سيتزعزع، وسأصبح كذا وكذا. لا. اجعل سندك في الله، ففي الله عوض عن كل فائت، هو سبحانه لا يريد أن يزلزل مراكز الناس، ولكن يريد أن يقول لهم: إنني إن سلبتكم نعمتي فاجعلوا أنفسكم في حضانة المنعم بالنعمة. وما دمت قد جعلت نفسك في حضانة المنعم بالنعمة، إذن فالنعمة لا شيء لأن المنعم عوض عن هذه النعمة، والربا من السبع الموبقات التي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم باجتنابها حيث قال:
" اجتنبوا السبع الموبقات قالوا يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات "
﴿ وأمره إلى الله ومن عاد ﴾ [البقرة: 275] أي عاد بعد الموعظة ماذا يكون أمره؟ ﴿ فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ [البقرة: 275]. وكان يكفي أن يقول عنهم: إنهم ﴿ أصحاب النار ﴾ [البقرة: 275] فلعل واحد يكون مؤمنا وبعد ذلك عاد إلى معصية، فيأخذ حظه من النار. إنما قوله: ﴿ هم فيها خالدون ﴾ [البقرة: 275] يدل على أنه خرج عن دائرة الإيمان. وافهم السابق جيدا لتفهم التذييل اللاحق لأن هنا أمرين: هنا ربا حرمه الله، وأناس يريدون أن يحللوا الربا عندما قالوا: ﴿ إنما البيع مثل الربا ﴾ [البقرة: 275]، فإن عدت إلى الربا حاكما بحرمته فأنت مؤمن عاص تدخل النار. إنما إن عدت إلى ما سلف من المناقشة في التحريم، وقلت: البيع مثل الربا، وناقشت في حرمة الربا وأردت أن تحلله كالبيع فقد خرجت عن دين الإسلام. وحين تخرج عن دين الإسلام فلك الخلود في النار. ومن هنا يجب أن نلفت الذين يقولون بالربا، ونقول لهم: قولوا: إن الربا حرام، ولكننا لا نقدر على أنفسنا حتى نبطله ونتركه، وعليكم أن تجاهدوا أنفسكم على الخروج منه حتى لا تتعرضوا لحرب الله ورسوله.
إنهم باعتقادهم أن الربا حرام يكونون عاصين فقط، أما أن يحاولوا تبرير الربا ويحللوه فسيدخلون في دائرة أخرى شر من ذلك، وهي دائرة الكفر والعياذ بالله. وقد عرفنا أن آدم عليه السلام عصى ربه، وأكل من الشجرة، وإبليس عصى ربه، فلما تلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه، أما إبليس فقد طرده الله، ولماذا طرد الله إبليس وأحل عليه اللعنة؟ لأن آدم أقر بالذنب وقال: