إنك لا تهدي من أحببت..
[القصص: 56]. فنفى عنه أنه يهدي. وأثبت له الحق الهداية في آية أخرى يقول فيها:
وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم
[الشورى: 52]. فكيف يثبت الله فعلا واحدا لفاعل واحد ثم ينفي الفعل ذاته عن الفاعل ذاته؟ نقول لهم: رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه أن يدل الناس على منهج الله ولكن ليس عليه أن يحملهم على منهج الله لأن ذلك ليس من عمله هو، فإذا قال الله: " إنك لا تهدي " أي لا تحمل بالقسر والقهر من أحببت، وإنما أنت " تهدي " أي تدل فقط، وعليك البلاغ وعلينا الحساب. إذن فقول الحق: ﴿ ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشآء ﴾ [البقرة: 272] ليس فيه حجة على القسرية الإيمانية التي يريد بعض المتحللين أن يدخلوا منها إلى منفذ التحلل النفسي عن منهج الله ونقول لهؤلاء: فيه فرق بين هداية الدلالة وهداية المعونة، فالله يهدي المؤمن ويهدي الكافر أي يدلهم، ولكن من آمن به يهديه هداية المعونة، ويهديه هداية التوفيق، ويهديه هداية تخفيف أعمال الطاعة عليه. ﴿ ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشآء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم ﴾ [البقرة: 272] تلك قضية تعالج الشح منطقيا، وكل معط من الخلق عطاؤه عائد إليه هو، ولا يوجد معط عطاؤه لا يعود عليه إلا الله، هو وحده الذي لا يعود عطاؤه لخلقه عليه، لأنه - سبحانه - أزلا وقديما وقبل أن يخلق الخلق له كل صفات الكمال، فعطاء الإنسان يعود إلى الإنسان وعطاء ربنا يعود إلينا.
ولذلك قال بعض السلف الذين لهم لمحة إيمانية: ما فعلت لأحد خيرا قط؟ فقيل له: أتقول ذلك وقد فعلت لفلان كذا ولفلان كذا ولفلان كذا؟ فقال: إنما فعلته لنفسي. فكأنه نظر حينما فعل للغير أنه فعل لنفسه. ولقد قلنا سابقا: إن العارف بالله " الحسن البصري " كان إذا دخل عليه من يسأله هش في وجهه وبش وقال له: مرحبا بمن جاء يحمل زادي إلى الآخرة بغير أجرة. إذن فقد نظر إلى أنه يعطيه وإن كان يأخذ منه. فالحق سبحانه وتعالى يعالج في هذه القضية ﴿ وما تنفقوا من خير فلأنفسكم ﴾ [البقرة: 272] أي إياكم أن تظنوا أنني أطلب منكم أن تعطوا غيركم، لقد طلبت منكم أن تنفقوا لأزيدكم أنا في النفقة والعطاء، ثم يقول: ﴿ وما تنفقوا من خير يوف إليكم ﴾ [البقرة: 272] ومعنى التوفية: الأداء الكامل. ولا تظنوا أنكم تنفقون على من ينكر معروفكم لأن ما أنفقتم من خير فالله به عليم. إذن فاجعل نفقتك عند من يجحد، ولا تجعل نفقتك عند من يحمد، لأنك بذلك قد أخذت جزاءك ممن يحمدك وليس لدى الله جزاء لك. كنت أقول دائما للذين يشكون من الناس نكران الجميل ونسيان المعروف: أنتم المستحقون لذلك لأنكم جعلتموهم في بالكم ساعة أنفقتم عليهم، ولو جعلتم الله في بالكم لما حدث ذلك منهم أبدا. ﴿ وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغآء وجه الله ﴾ [البقرة: 272] أهذه الآية تزكية لعمل المؤمنين،، أم خبر أريد به الأمر؟ إنها الاثنان معا، فهي تعني أنفقوا ابتغاء وجه الله. ﴿ وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون ﴾ [البقرة: 272] أنتم لا تظلمون من الخلق، ولا تظلمون من الخالق، أما من الخلق فقد استبرأتم دينكم وعرضكم حين أديتم بعض حقوق الله في أموالكم، فلن يعتدي أحد عليكم ليقول ما يقول، وأما عند الله فهو سبحانه يوفي الخير أضعاف أضعاف ما أنفقتم فيه. وبعد ذلك يتكلم الحق سبحانه وتعالى عن مصرف من مصارف النفقة كان في صدر الإسلام: ﴿ للفقرآء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون... ﴾.