لقد أماته مائة عام، والعام هو الحول، وقد سموا " الحول " عاما لأن الشمس تعوم في الفلك كله في هذه المدة، والعوم سبح، والحق يقول:
وكل في فلك يسبحون
[يس: 40]. ولذلك نسميه عاما. ﴿ فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم ﴾ [البقرة: 259]، فكأن الله قال له كلاما كما كلم موسى، أو سمع صوتا أو ملكا أو أن أحدا من الموجودين رأى التجربة. فالمهم أن هناك سؤالا وجوابا. ويخبرنا الحق سبحانه بحوار دار في هذا الشأن، السؤال هو: كم لبثت؟ فأجاب الرجل: لبثت يوما أو بعض يوم. وإجابة الرجل تعني أنه قد تشكك، فقد وجد اليوم قد قارب على الانتهاء أو انتهى، أو أنه عندما رأى الشمس مشرقة أجاب هذه الإجابة: ﴿ لبثت يوما أو بعض يوم ﴾ [البقرة: 259] أو يكون قد قال ذلك لأنه لا يستطيع أن يتحكم في تقدير الزمن. فهل هو صادق في قوله أو كاذب؟ إنه صادق، لأنه لم ير شيئا قد تغير فيه ليحكم بمقدار التغير، فلو كان قد حلق لحيته مثلا، وقام بعد ذلك ليجد لحيته قد طالت، أو قد نام بشعر أسود، وقام بعد ذلك بشعر أشيب، فلو حدثت أية تغيرات فيه لكان قد لمسها، لكنه لم يجد تغيرا. فماذا كان جواب الحق؟ قال الحق: ﴿ بل لبثت مائة عام ﴾ [البقرة: 259]. إننا هنا أمام طرفين ويكاد الأمر أن يصبح لغزا، طرف يقول: ﴿ لبثت يوما أو بعض يوم ﴾ [البقرة: 259] ورب يقول: ﴿ بل لبثت مائة عام ﴾ [البقرة: 259]. ونريد أن نحل هذا اللغز. إن الحق سبحانه صادق ومنزه، والعبد المؤمن صادق في حدود ما رأى من أحواله. ونريد دليلا على هذا، ودليلا على ذاك. نريد دليلا على صدق العبد في قوله: ﴿ لبثت يوما أو بعض يوم ﴾ [البقرة: 259]. ونريد من الحق سبحانه وتعالى دليل اطمئنان لا دليل برهان على أن الرجل قد مات مائة عام وعاد إلى الحياة. ونقول: إن في القصة ما يؤيد ﴿ لبثت يوما أو بعض يوم ﴾ [البقرة: 259]، وما يؤيد ﴿ بل لبثت مائة عام ﴾ [البقرة: 259]، فقد كان مع الرجل حماره، وكان معه طعامه وشرابه من عصير وعنب وتين. فقال الحق سبحانه وتعالى: ﴿ لبثت مائة عام ﴾ [البقرة: 259]، وأراد أن يدلل على الصدق في القضيتين معا قال: ﴿ فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه ﴾ [البقرة: 259]، ونظر الرجل إلى طعامه وشرابه فوجد الطعام والشراب لم يتغيرا، وهذا دليل على أنه لم يمكث إلا يوما أو بعض يوم، وبذلك ثبت صدق الرجل، بقيت قضية " مائة عام ". فقال الحق: ﴿ وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس ﴾ [البقرة: 259] وهذا القول يدل على أن هنا شيئا عجيبا، وأراد الله أن يبين له بنظرة إلى الحمار دليلا على صدق مرور مائة عام، ووجد الرجل حماره وقد تحول عظاما مبعثرة، ولا يمكن أن يحدث ذلك في زمن قصير، فإن موت الحمار أمر قد يحدث في يوم، لكن أن يرم جسمه، ثم ينتهي لحمه إلى رماد، ثم تبقى العظام مبعثرة، فتلك قضية تريد زمانا طويلا لا يتسع له إلا مائة عام، فكأن النظر إلى الحمار هو دليل على صدق مرور مائة عام، والنظر إلى الطعام دليل على صدق " يوما أو بعض يوم ".
فالقضية إذن قضية عجيبة، وكيف طوي الزمن في مسألة الطعام، وكيف بسط الزمن في مسألة الحمار. إنه سبحانه يظهر لنا أنه هو القابض الباسط، فهو الذي يقبض الزمن في حق شيء، ويبسط الزمن في حق شيء آخر، والشيئان متعاصران معا. وتلك العملية لا يمكن أن تكون إلا لقدرة طليقة لا تملكها النواميس الكونية، وإنما هي التي تملك النواميس. وقد قال الحق سبحانه: ﴿ ولنجعلك آية للناس ﴾ [البقرة: 259]، فمن هم الناس الذين سيجعل الله من قضية الذي مر على قرية آية لهم؟ كان لابد أن يوجد أناس في القصة، لكن القرية خاوية على عروشها، وليس فيها إنسان أو بنيان، أهم الذين كانوا في القرية أم سواهم؟ قال بعض المفسرين هذا، وقال البعض الآخر الرأي المضاد. وأصدق شيء يمكن أن يتصل بصدق الله في قوله: ﴿ ولنجعلك آية للناس ﴾ [البقرة: 259] هو قبض الله للزمن في حق شيء، وبسطه في حق شيء آخر، وعزير كما قال جمهرة العلماء هو الذي مر على قرية، وعزير هذا كان من الأربعة الذين يحفظون التوراة، فلم يحفظ التوراة إلا أربعة: موسى، وعيسى، وعزير، ويوشع، وقد أراه الله العظام وكيف ينشزها ويرفعها فتلتحم ثم يكسوها لحما، أي أراه عملية الإحياء مشهديا، وفي هذا إجابة للسؤال: ﴿ أنى يحيي هذه الله بعد موتها ﴾ [البقرة: 259]؟ والحق يقول: ﴿ وانظر إلى العظام كيف ننشزها ﴾ [البقرة: 259] و " ننشزها " أي نرفعها، ورأى " عزير " كل عظمة في حماره، وهي ترفع من الأرض، وشاهد كل عظمة تركب مكانها، وبعد تكوين الهيكل العظمي للحمار بدأت رحلة كسوة العظام لحما، وبعد ذلك تأتي الحياة. لقد وجد عزير إجابة في نفسه، ووجد إجابة في الحمار، ومن بعد ذلك تذكر قريته التي خرج منها، وأراد العودة إليها، فلما عاد إليها وجد أمرها قد تغير بما يتناسب مع مرور مائة عام، وكان في تلك القرية مولاة لهم، أي أمة في أسرته، وكانت هذه الأمة قد عميت وأصبحت مقعدة، فلما دخل وقال: أنا العزير. قالت الأمة: ذهب العزير من مائة عام ولا ندري أين ذهب ولم يعد؟ قال: أنا العزير.