وإياك أن تظن أن الروح لا تخضع لقوانين معينة، إن الروح لا تحل إلا في مادة خاصة، فإذا انتهت المقومات الخاصة في المادية فالروح لا تسكنها، فلا تقل: إنه عندما ضربه على رأسه أماته! لا، هو لم يخرج الروح لأن الروح بمجرد ما انتهت البنية تختفي. والمثال الذي يوضح ذلك: لنفترض أن أمامنا نورا، إذا كسرت الزجاجة يذهب النور. هل الزجاجة هي النور؟ لا، لكن الكهرباء لا تظهر إلا في هذه الزجاجة، كذلك الروح لا توجد إلا في بنية لها مواصفات خاصة، إذن فالقاتل لا يخرج الروح ولكنه يهدم البنية بأمر محس فالأمر الغيبي وهو الروح لا يسكن في بنية مهدومة. ﴿ ألم تر إلى الذي حآج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك ﴾ [البقرة: 258]، انظر إلى الطغيان، أتجعل إيتاء الملك وهو نعمة وسيلة إلى التمرد على من أنعم عليك بهذا؟ أتجعل شكر النعمة بأنك تخالف المنعم؟ من الذي أبطره؟ أأبطره أن آتاه الله الملك؟ وكيف يعين الله واحدا ليس مؤمنا به؟ والملك - بمعنى الأمر والنهي - إنما يكون للمبلغ عن الله، إنما الملك الآخر ملك السلطان بأن يحكم إنسانا على جماعة، فمن الجائز أن يكون مؤمنا، وأن يكون كافرا. وقوله ﴿ أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت ﴾ [البقرة: 258] هو جواب على من قال: " من ربك " فجاءته إجابة إبراهيم عليه السلام ﴿ ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت ﴾ [البقرة: 258] وعرفنا ما في هذا الأمر من سفسطة، فلم يقل له إبراهيم: أأنت تحيي وتميت، بل ينقله إلى أمر آخر، كأنه قد قال له: اترك الأمر الغيبي وهو الروح، وتعالى للأمر المشهود ﴿ قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر ﴾ [البقرة: 258]. ولأن الله ولي الذين آمنوا فهو سبحانه لم يلهم المحاج أن يرد كان يستطيع أن يقول له: اجعل من يأتي بها من المشرق يأت بها من المغرب، لكنه لم يقلها! مما يدل على أنه غبي! أو يكون ذكيا فيقول: إن الرب الذي معه بهذا الشكل قد يفعلها، فخاف. إذن ف
الله ولي الذين آمنوا
[البقرة: 257] حقا. وهو سبحانه
يخرجهم من الظلمات إلى النور
[البقرة: 257]. وما معنى كلمة " بهت "؟ إن البهت يأخذ ثلاث صور: الصورة الأولى: الدهشة نقله فيما يمكن أن تحدث فيه مماحكة إلى ما لا تحدث فيه مماحكة وجدال، أراد أن يجد أمرا يرد به فلم يقدر، مثلما قال: أنا أحيي وأميت، لقد دهش، وأول ما فاجأه هو الدهش، ثم كان التحير، أراد أن يجد أي مخرج من هذه الورطة فلم يجد، إذن فقد هزم. فهذه هي نهاية البهت.
ف " بهت " تعني أنه دهش أولا، فتحير في أن يرد ثانيا، فكان نتيجة ذلك أنه هزم ثالثا، وهذا أمر ليس بعجيب لأنه ما دام كافرا فليس له ولي، أو وليه من لا يقدر
أوليآؤهم الطاغوت
[البقرة: 257]، أما إبراهيم خليل الرحمن فوليه الله. ويختم الحق الآية بقوله: ﴿ والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ [البقرة: 258] لا يهديهم إلى برهان، ولا إلى دليل، ولا إلى حاجة، لأن وليهم الشيطان، ﴿ والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ [البقرة: 258] والآية التي تأتي من بعد ذلك كلها ستتدخل في الحياة والموت، ومن المهم أن الآية تدخل في الحياة والموت كي لا نفهم أن إبراهيم إنما ترك المحاجة مع ذلك الذي حاجه في أمر الموت والحياة هربا من الكلام فيها، لذلك يريد الله أن يستوفي تلك القضية استيفاء في قصص متعددة، ويبسط الحق القضية التي عدل عنها إبراهيم وهي الموت والحياة فيقول سبحانه: ﴿ أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها... ﴾.