لقد وجدنا من قال: أين يوجد الله؟!! متى وجد؟!! وقلنا ونقول: " متى " و " أين " لا تأتي بالنسبة لله، إنها تأتي بالنسبة لكم أنتم، لماذا؟ لأن " متى " زمان و " أين " مكان. والزمان والمكان ظرفان للحدث، فالشيء الحادث هو الذي له زمان ومكان، مثال ذلك أن أقول: " أنا شربت " وما دام قد حدث الشرب فيكون له زمان ومكان، لكن هب أنني لم أشرب، أيكون هناك زمان أو مكان؟! لا، فما دام الله ليس حدثا فليس متعلقا به زمان أو مكان، لأن الزمان والمكان نشأ عندما خلق الله وأحدث هذا الكون، فلا تقل: " متى " لأن " متى " خلقت به، ولا تقل " أين " لأن أين خلقت به ولأن " متى " و " أين " ظرفان هذه للزمان، وهذه للمكان، والزمان والمكان فرعا الحدث. وعندما يوجد حدث فقل زمان ومكان. إذن فما دام الله ليس حدثا، فإياك أن تقول فيه متى، وإياك أن تقول فيه أين، لأن " متى " و " أين " وليدة الحدث. وقوله الحق: ﴿ وسع كرسيه ﴾ [البقرة: 255] نأخذه كما قلنا في إطار " ليس كمثله شيء " ، الكرسي: في اللغة من الكرس. والكرس هو:التجميع، ومنه الكراسة وهي عدة أوراق مجمعة، وكلمة " كرسي " استعملت في اللغة بمعنى الأساس الذي يبنى عليه الشيء، فمادة " الكرسي " الكاف والراء والسين تدل على التجميع وتدل على الأساس الذي تثبت عليه الأشياء فنقول: اصنع لهذا الجدار كرسيا، أي ضع لهذا الجدار أساسا يقوم عليه. وتطلق أيضا على القوم والعلماء الذين يقوم بهم الأمر فيما يشكل من الأحداث، والشاعر العربي قال: " كراسي في الأحداث حين تنوب " أي يعتمد عليهم في الأمور الجسيمة. وحين ينسب شيء من ذلك للحق سبحانه وتعالى. فإن السلف لهم فيها كلام والخلف لهم فيها كلام، والسلف يقولون: كما قال الله نأخذها ولكن نضع كيفيتها وتصورها في إطار " ليس كمثله شيء " ، وبعضهم قال: نؤولها بما يثبت لها صفة من الصفات، كما يثبتون قدرة الحق بقوله الحكيم:
يد الله فوق أيديهم..
[الفتح: 10]. أي أن قدرة الله فوق قدرتهم، وكما قال سبحانه عن قدرته في الخلق:
والسمآء بنيناها بأييد وإنا لموسعون
[الذاريات: 47]. إن كمال قدرة الله أحكمت خلق السماء، والحق سبحانه مقدس ومنزه عن أن يتصور المخلوق كلمة " يد " بالنسبة لله. ونحن نقول: الله قال ذلك، ونأخذها من الله لأنه أعلم بذاته وبنفسه، ونحيلها إلى ألا يكون له شبيه أو نظير، كما أثبتنا لله كثيرا من الصفات، في خلق الله مثلها ومع ذلك نقول: علمه لا كعلمنا، وبصره لا كبصرنا، فلماذا يكون كرسيه مثل كرسينا؟.
فتكون في إطار " ليس كمثله شيء ". والعلماء قالوا عن الكرسي: إنه ما يعتمد عليه، فهل المقصود علمه؟. نعم. وهل المقصود سلطانه وقدرته؟. نعم، لأن كلمة " كرسي " توحي بالجلوس فوقه، والإنسان لا يجلس عن قيام إلا إذا استتب له الأمر، ولذلك يسمونه " كرسي الملك " لأن الأمر الذي يحتاج إلى قيام وحركة لا يجعلك تجلس على الكرسي، فعندما تقعد على الكرسي، فمعنى ذلك أن الأمر قد استتب، إذن فهو بالنسبة لله السلطان، والقهر، والغلبة، والقدرة. أو نقول: ما دام قال: ﴿ وسع كرسيه السماوات والأرض ﴾ [البقرة: 255] فوسع الشيء أي: دخل في وسعه واحتماله. " والسماوات والأرض " نحن نفهمها أنها كائنات كبيرة بالنسبة لها، إنه سبحانه يقول:
لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون
[غافر: 57]. وعندما يقول: إن الكرسي وسع السماوات والأرض، إذن، فهو أعظم من السماوات والأرض أي دخل في وسعه السماوات والأرض. ولذلك يقول أبو ذر الغفاري رضي الله عنه:
" سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الكرسي فقال: يا أبا ذر ما السماوات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة. وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة ".