تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين ".

فلو كانت الذنوب كلها بسبب الشيطان لم نجد من يذنب في رمضان، إنما هناك كثير من الذنوب ترتكب في رمضان، وهذا يعني أنها من تزيين النفس، وكأن الحق سبحانه أراد أن يكشف ابن آدم: ها أنا قد صفدت الشياطين ومع ذلك تذنبون. فإن أردت أن تعرف هل المعصية من النفس أم من الشيطان، فإن النفس تقف بك عند معصية بعينها لا تريد سواها، ولا تنتقل بك إلى غيرها، وتظل تلح عليك إلى أن توقعك فيها، أما الشيطان فإنه يريدك عاصيا بأية صورة وعلى أية حال، فإن تأبيت عليه نقلك إلى معصية أخرى. وعلى العاقل أن يتأمل، فالمعصية تعطيك لذة عاجلة ومتعة فانية، لا تليق أبدا بهذا الإنسان الذي كرمه الله، وجعله خليفة له في الأرض، وسيدا لهذا الكون، والكون كله بأرضه وسمائه خادم له، فهل يعقل أن يكون الخادم أطول عمرا من المخدوم؟ إنك تموت بعد عام أو بعد مائة عام، في حين أن الشمس التي تخدمك تعمر ملايين السنين: إذن: لا بد أن لك حياة أخرى أبقى وأدوم من حياة خادمك، فإن كنت الآن في حياة توصف بأنها دنيا، فهذا يعني أنها تقابلها حياة أخرى توصف بأنها عليا، وهي حياتك في الآخرة، حيث لا موت فيها أبدا.

والقرآن الكريم حينما يحدثنا عن الجهاد يقول مرة:

وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله..

[التوبة: 41] ويقول: ﴿ والذين جاهدوا فينا.. ﴾ [العنكبوت: 69]. الجهاد في سبيل الله أي في الطريق إلى الله لإثبات الإيمان بالإله الواحد، وصدق البلاغ من الرسول المؤيد بالمعجزة وبالمنهج، فإذا وضح لك السبيل فآمنت بالله الواحد الأحد قال لك: اجعل كل حركة حياتك في إطار ﴿ والذين جاهدوا فينا.. ﴾ [العنكبوت: 69] يعني: من أجلنا مخلصين لله لا ينظرون إلى غيره. والإنسان مهما تحرى الإخلاص في عمله، وقصد به وجه الله لا يأمن أن يخالطه شيء من رياء أو سمعة، حتى أن المعصوم محمدا صلى الله عليه وسلم ليقول:

" اللهم إني أستغفرك من كل عمل أردت به وجهك، فخالطني فيه ما ليس لك ".

وهذا معنى جاهدوا فينا أن يكون العمل كله لله خالصا، وإلا فما الفرق بين المؤمن والكافر، وكلاهما يعمل ويسعى في الدنيا لكسب لقمة العيش له ولأولاده، فهما في السعي سواء، فما مزية المؤمن إذن؟ الميزة أن الكافر يعمل على قدر حاجته فحسب، أما المؤمن فيعمل على قدر طاقته، فيأخذ ما يكفيه ويعود بالفضل على من لا طاقة عنده للعمل، ففي نيته أن يعمل له وللمحتاج غير القادر. ونمثل لذلك بالبقال الذي فتح الله عليه، فباع كثيرا في أول النهار وأخذ كفايته، ثم أغلق محله فلم ينظر إلى الذين يعاملونه على الشهر، ويأخذون حاجتهم لأجل، ولم ينظر إلى ربة البيت التي تنتظر عودة زوجها لتشتري ما يلزمها، فقد نظر إلى حظ نفسه، ونسي حظ الآخرين. واقرأ إن شئت قوله تعالى:

قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون * والذين هم عن اللغو معرضون * والذين هم للزكاة فاعلون

[المؤمنون: 1-4] ولم يقل مؤدون إنما: فاعلون من أجل الزكاة أي: يعملون على قدر طاقتهم، لا على قدر حاجتهم. فالذين يعملون في إطار ﴿ والذين جاهدوا فينا.. ﴾ [العنكبوت: 69] لا يغيب الله أبدا عن بالهم. ولكي نفقه هذه المسألة انظر إلى عمل أو جميل قدمته لغير وجه الله ترى أن صاحبه أنكره، بل ربما لا ينالك منه إلا الذم، وساعتها لا تلومن إلا نفسك، لأنك أخطأت التوجه، وقد عملت للناس فخذ أجرك منهم، إنما إن عملت لوجه الله فثق أن جميلك محفوظ عند الله وعند الناس.

والحق - سبحانه وتعالى - حينما أعطى للإنسان الاختيار في أن يؤمن أو أن يكفر يلفت بهذا أنظارنا أنه إذا صنعت جميلا في إنسان، ثم أنكر جميلك وكفر به، فلا تحزن لأن الناس فعلوا ذلك مع الله - عز وجل - فقد خلقهم ورزقهم ثم كفروا به. ثم يأتي جزاء الجهاد في ذات الله: ﴿ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا.. ﴾ [العنكبوت: 69] أي: ندلهم على الطرق الموصلة إلينا، كأن الطريق إلى الله ليس واحدا، إنما سبل شتى لذلك لا تحقرن من الطاعة شيئا مهما كان يسيرا، فإن الله تعالى غفر لرجل سقى كلبا يلهث من العطش، ولا تحقرن من المعصية شيئا، فإن الله أدخل امرأة النار لأنها حبست قطة، ولا تحتقرن عبدا مهما كان، فإن الله تعالى أخفى أسراره في خلقه فرب أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره. فإذا علمت من نفسك ميزة على الآخرين فانظر فيم يمتازون به عنك، ودعك من نظرة تورثك كبرا، واستعلاء على الخلق، فإن كنت أفضل في شيء فأنت مفضول في أشياء كثيرة، وسبق أن قلنا: إن الله نثر المواهب بين الخلق ليظلوا ملتحمين بحاجة بعضهم إلى بعض. فقوله تعالى ﴿ لنهدينهم سبلنا.. ﴾ [العنكبوت: 69] أي: السبل الموصلة لنعيم الآخرة، سبل الارتقاء في اليقين الإيماني الذي قال الله عنه:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٤٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٤٠١