إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا
[الأحزاب: 72]. إذن: خيرت فاختارت ألا تختار، وخرجت عن مرادها لمراد ربها. ثم يقول سبحانه: ﴿ إن في ذلك لآية للمؤمنين ﴾ [العنكبوت: 44] لماذا قال للمؤمنين مع أنها آية للناس جميعا؟ وسبق أن خاطب الله الكافرين
من خلق السماوات والأرض..
[لقمان: 25] فلماذا خص هنا المؤمنين دون الكافرين؟ قالوا: هناك فرق بين خلق السماوات والأرض، وبين كونها مخلوقة بالحق، فالجميع يؤمن بأنها مخلوقة، لكن المؤمنين فقط هم الذين يعرفون أنها مخلوقة بالحق. يقول الحق سبحانه: ﴿ اتل ما أوحي إليك من الكتاب... ﴾.
29.45
بعد أن ذكر الله تعالى بعض مواكب الرسل في إبراهيم وفي موسى ونوح وصالح وهود ولوط وفي شعيب، ثم تكلم سبحانه عن الذين كذبوا هؤلاء الرسل
فكلا أخذنا بذنبه..
[العنكبوت: 40] أراد سبحانه أن يسلي رسوله صلى الله عليه وسلم بأن لا يزعجه، ولا يرهقه، أو يتعب نفسه موقف الكافرين به الذين يصدون عن سبيل الله، ويقفون من الدعوة موقف العداء. فقال له مسليا: ﴿ اتل ما أوحي إليك من الكتاب.. ﴾ [العنكبوت: 45] يعني: لم تحزن يا محمد ومعك الأنس كله، الأنس الذي لا ينقضي، وهو كتاب الله ومعجزته التي أنزلها إليك، فاشتغل به، فمع كل تلاوة له ستجد سكنا إلى ربك. وإذا كان هؤلاء الذين عاصروك لم يؤمنوا به، ولم يلتفتوا إلى مواطن الإعجاز فيه فداوم أنت على تلاوته عل الله يأتي من هؤلاء بذرية تصفو قلوبهم لاستقبال إرسال السماء، فيؤمنون بما جحده هؤلاء، والأمر بالتلاوة لبقاء المعجزة. ﴿ اتل.. ﴾ [العنكبوت: 45] اقرأ ولا تعجز ولا تيأس، فالقرآن سلوة لنفسك لأن الذي يرسل رسولا من البشر بشيء أو في أمر من الأمور، ثم يكذب يرجع إلى من أرسله، فما دام قومك قد كذبوك، فارجع إلي بأن تستمع إلى كتابي الذي أنزلته معجزة لك تؤيدك، وانتظر قوما يأتون يسمعون منك كلام الله، فيصادف منهم قلوبا صافية، فيؤمنون به. وفرق بين الفاعل والقابل، والقرآن يوضح هذه المسألة، فمن الناس من إذا سمعوا القرآن تخشع له قلوبهم، وتقشعر جلودهم، ومنهم من إذا سمعوه قالوا على سبيل الاستهزاء
ماذا قال آنفا..
[محمد: 16] تهوينا من شأن القرآن، ومن شأن رسول الله. ثم يقرر القرآن هذه الحقيقة:
قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى..
[فصلت: 44]. إذن: فالقرآن واحد، لكن المستقبل للقرآن مختلف، فالعبرة في صفاء الاستقبال لأن الإرسال واحد، وهل تتهم الإذاعة إن كان جهار الراديو عندك معطلا، لا يستقبل إرسالها؟ كذلك من أراد أن يستقبل إرسال السماء فعليه أن يعد الأذن الواعية والقلب الصافي غير المشوش بما يخالف إرسال السماء، عليك أن تخرج ما في نفسك أولا من أضداد للقرآن، ثم تستقبل كلام الله وتنفعل به. وسبق أن مثلنا لاختلاف المنفعل للفعل بمن ينفخ في يده وقت البرد بقصد التدفئة، وبمن ينفخ بنفسه في الشاي مثلا ليبرده، فهذه للحرارة، وهذه للبرودة، الفعل واحد، لكن المنفعل مختلف. فقوله تعالى: ﴿ اتل ما أوحي إليك من الكتاب.. ﴾ [العنكبوت: 45] هذه هي ميزة معجزتك يا محمد أنك تستطيع أن تكررها في كل وقت، وأن تتلوها كما تشاء، وأن يتلوها بعدك من سمعها، وستظل تتردد إلى يوم القيامة.
أما معجزات الرسل السابقين فكانت خاصة بمن شاهد المعجزة، فإذا مات من شهدها فلا يعرفها أحد بعدهم حتى لو كان معاصرا لها ولم يرها، فالذين عاصروا مثلا انقلاب عصا موسى حية ولم يشاهدوا هذا الموقف، ماذا عندهم من هذه المعجزة؟ لا شيء إلا أننا نصدقها ونؤمن بها لأن القرآن أخبرنا بها. إذن: فمعجزات السابقين تأتي كلقطة واحدة أشبه ما تكون بعود الكبريت الذي يشتعل مرة واحدة، رآها من رآها وتنتهي المسألة، ولكن القرآن حدثنا بكل معجزات الرسل السابقين فانظر إذن ما أصاب الرسل جميعا من خيرات سيدنا رسول الله، وكيف خلد القرآن ذكرهم، وامتدت معجزاتهم بامتداد معجزته. فكأن القرآن أسدى الجميل إلى كل الرسل، وإلى كل المعجزات لذلك قال تعالى عن القرآن: