29.41
كلمة مثل وردت بمشتقاتها في القرآن الكريم مرات عدة، ومادة الميم والثاء واللام جاءت لتعبر عن معنى يجب أن نعرفه، فإذا قيل مثل بسكون الثاء، فمعناها التشبيه، لكن تشبيه مفرد بمفرد. كما في قوله تعالى:
ليس كمثله شيء..
[الشورى: 11] وقوله تعالى:
وجزآء سيئة سيئة مثلها..
[الشورى: 40]. أما مثل بالفتح، فتعني تشبيه قصة أو متعدد بمتعدد، كما في قوله تعالى:
واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كمآء أنزلناه من السماء..
[الكهف: 45]. فالحق - سبحانه وتعالى - لا يشبه شيئا بشيء إنما يشبه صورة متكاملة بصورة أخرى: فالحياة الدنيا في وجودها وزهرتها وزخرفها وخضرتها ومتاعها، ثم انتهائها بعد ذلك إلى زوال مثل الماء حين ينزل من السماء فيختلط بتربة الأرض، فينبت النبات المزهر الجميل، والذي سرعان ما يتحول إلى حطام. لذلك اعترض بعض المتمحكين على أسلوب القرآن في قول الحق سبحانه وتعالى عن موسى عليه السلام:
إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم..
[آل عمران: 59]. ووجه اعتراضه أن مثل جاءت تشبه مفردا بمفرد، وهو عيسى بآدم عليهما السلام، ونحن نقول: إنها تشبه صورة متكاملة بأخرى ونقول: هذا الاعتراض ناتج عن عدم فهم المعنى المراد من الآية، فالحق سبحانه لا يشبه عيسى بآدم كأشخاص، إنما يشبه قصة خلق آدم بقصة خلق عيسى، فآدم خلق من غير أب، وكذلك عيسى خلق من غير أب. والمعنى: إن كنتم قد عجبتم من أن عيسى خلق بدون أب، فكان ينبغي عليكم أن تعجبوا أكثر من خلق آدم لأنه جاء بلا أب وبلا أم، وإذا كنتم اتخذتم عيسى إلها لأنه جاء بلا أب، فالقياس إذن يقتضي أن تكون الفتنة في آدم لا في عيسى. والمسألة أن الله تعالى شاء أن يعلن خلقه عن طلاقة قدرته في أنه لا يخلق بشكل مخصوص، إنما يخلق كما يشاء سبحانه من أب وأم، أو من دون أب، ومن دون أم، ويخلق من أب فقط، أو من أم فقط. إذن: هذه المسألة لا تخضع للأسباب، إنما لإرادة المسبب سبحانه، فإذا أراد قال للشيء: كن فيكون. وقد يجتمع الزوجان، ويكتب عليهما العقم، فلا ينجبان، وقد يصلح الله العقيم فتلد، ويصلح العجوز فتنجب - والأدلة على ذلك واضحة - إذن: فطلاقة القدرة في هذه المسألة تستوعب كل الصور، بحيث لا يحدها حد. والحق سبحانه حين يضرب لنا الأمثال يريد بذلك أن يبين لنا الشيء الغامض بشيء واضح، والمبهم بشيء بين، والمجمل بشيء مفصل، وقد جرى القرآن في ذلك على عادة العرب، حيث استخدموا الأمثال في البيان والتوضيح. ويحكى أن أحدهم، وكان صاحب سمعة طيبة وسيرة حسنة بين الناس، فحسده آخر، وأراد أن يلصق به تهمة تشوه صورته، وتذهب بمكانته بين الناس فاتهمه بالتردد على أرملة حسناء، وقد رآه الناس فعلا يذهب إلى بيتها، فتخرج له امرأة فيعطيها شيئا معه.
ولما تحقق الناس من المسألة وجدوها عجوزا لها أولاد صغار وهم فقراء، وهذا الرجل يعطف عليهم ويفيض عليهم مما رزقه الله، فلما عرفوا ذلك عن الرجل عظموه، ورفعوا من شأنه، وزاد في نظرهم مجدا وفضلا. وقد أخذ الشاعر هذا المعنى وعبر عنه قائلا مستخدما المثل:
وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت
أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت
ما كان يعرف طيب عرف العود
والعود نوع من البخور، طيب الرائحة، لا تنتشر رائحته إلا حين يحرق. ومن مشتقاتها أيضا مثلة كما في قوله تعالى:
وقد خلت من قبلهم المثلات..
[الرعد: 6] وهي العقوبات التي حاقت بالأمم المكذبة، حتى جعلتها عبرة لغيرها. فإذا اشتهر المثل انتشر على الألسنة، وضربه الناس مثلا كما اشتهر حاتم الطائي بالكرم والجود حتى صار مضرب المثل فيه، وقد تشتهر بيننا عبارة موجزة، فتصير مثلا يضرب في مناسبها كما نقول للتلميذ الذي يهمل طوال العام، ثم يجتهد ليلة الامتحان قبل الرماء تملأ الكنائن مع الاحتفاظ بنص المثل في كل مناسبة، وإن لم يكن هناك رمي ولا كنائن. كما أن المثل يقال كما هو دون تغيير، سواء أكان للمفرد، أم المثنى، أم الجمع المذكر، أو للمؤنث. كذلك نقول ماذا وراءك يا عصام بالكسر لأنها قيلت في أصل المثل لامرأة. يقول الحق سبحانه: ﴿ مثل الذين اتخذوا من دون الله أوليآء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا.. ﴾ [العنكبوت: 41]. فهذا مثل في قمة العقيدة، ضربه الله لنا للتوضيح وللبيان، ولتقريب المسائل إلى عقولنا، وإياك أن تقول للمثل الذي ضربه الله لك: ماذا أراد الله بهذا؟ لأن الله تعالى قال: