إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء..
[الأنعام: 159]. فساعة ترى كلا منهما في طرف، بحيث لا تستطيع أن تتبع أحدهما، فاعلم أنهما على باطل لأن الإسلام شيء واحد سبق أن شبهناه بالماء الأبيض الصافي الذي لم يخالطه لون ولا رائحة ولا طعم، فإن لونته الأهواء وتحزب الناس فيه كما يلونون العصائر فقد جانبهم الصواب وأخطأوا الدين الصحيح.
لأن ما جاء فيه حكم صريح من عند الله اتفقنا عليه، وما تركه الله لاجتهادنا فينبغي على كل منا أن يحترم اجتهاد الآخر، وأن يقول: رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب، وبهذا المنطق تتعايش الآراء. والحق - سبحانه وتعالى - يعطينا المثل على ذلك، فما أراده سبحانه في المنهج محكما يأتي محكما في قول واحد لا خلاف فيه، وضربنا مثلا لذلك بآية الوضوء:
يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق..
[المائدة: 6]. فلم يحدد الوجه لأنه لا خلاف في تحديده بين الناس، إنما حدد الأيدي لأنها محل خلاف. إذن: فالقضايا التي تثار بين المسلمين ينبغي أن يكون لها جدل خاص في هذا الإطار دون تعصب، فما جاءك محكما لا مجال فيه لرأي التزم به الجميع، وما ترك بلا تنصيص لا يحتمل الخلاف، فليذهب كل واحد إلى ما يحتمله النص. فالباء في لغتنا مثلا تأتي للتبعيض، أو للاستعانة، أو للإلصاق، فإن أخذت بمعنى فلا تحجر على غيرك أن يأخذ بمعنى آخر. فإن استعر القتال بين طائفتين من المسلمين، فيجب أن تكون هناك طائفة معتدلة تتولى أمر الإصلاح، كما قال سبحانه:
وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فآءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين
[الحجرات: 9]. نلحظ أن الله تعالى سماهم مؤمنين، ومعنى ذلك أن الإيمان لا يمنع أن نختلف، وهذا الإيمان الذي لا يمنع أن نختلف هو الذي يوجب علينا أن يكون منا طائفة معتدلة على الحياد لا تميل هنا أو هناك، تقوم بدور الإصلاح وبدور الردع للباغي المعتدي حتى يفييء إلى الجادة وإلى أمر الله. فإن فاءت فلا نترك الأمور تخيم عليها ظلال النصر لفريق، والهزيمة لفريق آخر، إنما نصلح بينهما، ونزيل ما في النفوس من غل وشحناء، فقد تنازل القوي عن كبريائه لما ضربنا على يده، وقوي الضعيف، بوقوفنا إلى جانبه، فحدث شيء من التوازن وتعادلت الكفتان، فليعد الجميع إلى حظيرة الأمن والسلام. بقي لنا أن نتحدث عن جهاد آخر أهم، هو جهاد النفس البشرية
" لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما عاد من إحدى الغزوات قال: " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر "
فوصف جهاد النفس بأنه الجهاد الأكبر، لماذا؟ لأنك في ساحة القتال تجاهد عدوا ظاهرا، يتضح لك عدده وأساليبه، أما إن كان عدوك من نفسك ومن داخلك، فإنه يعز عليك جهاده، فأنت تحب أن تحقق لنفسك شهواتها، وأن تطاوعها في أهوائها ونزواتها، وهي في هذا كله تلح عليك وتتسرب من خلالك.
فعليك أن تقف في جهاد النفس موقفا تقارن فيه بين شهوات النفس العاجلة وما تورثك إياه من حسرة آجلة باقية، وما تضيعه عليك من ثواب ربك في جنة فيها من النعيم، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ضع ربك ونفسك في هذه المقابلة وتبصر، واعلم أن لربك سوابق معك، سوابق خير أعدها لك قبل أن توجد، فالذي أعد لك كل هذا الكون، وجعله لخدمتك لا شك مأمون عليك، وأنت عبده وصنعته، وهل رأيت صانعا يعمد إلى صنعته فيحطمها؟ أما إن رأيت النجار مثلا يمسك بالفارة وينحت في قطعة الخشب، فاعلم أنه يصلحها لأداء مهمتها، وأذكر قصة الطفل أيمن الذي جاء أمه يبكي لأن الخادمة تضرب السجادة، فأخذته أمه وأرته التراب الذي يتساقط من السجادة في كل ضربة من ضربات الخادمة، ففهم الطفل على قدر عقله. وكذلك الحق سبحانه حين يبتلي خلقه، فإنما يبتليهم لا كيدا فيهم، بل إصلاحا لهم. ألم نسمع كثيرا أما تقول لوحيدها إلهي أشرب نارك؟ بالله ما حالها لو استجاب الله لها؟ وهي في الحقيقة لا تكره وحيدها وفلذة كبدها، إنما تكره فيه الخصلة التي أغضبتها منه. وكذلك الحق - سبحانه وتعالى - لا يكره عبده، إنما يكره فيه الخصال السيئة فيريد أن يطهره منها بالبلاء حتى يعود نقيا كيوم ولدته أمه، فأحسن أيها الإنسان ظنك بربك. إذن: نقول: إن من أعظم الجهاد جهادك لنفسك، لأنها تلح عليك أن تشبع رغباتها، كما أنها عرضة لإغراء الهوى ووسوسة الشيطان الذي يزين لها كل سوء، ويحبب إليها كل منكر. وسبق أن بينا: كيف نفرق بين تزيين الشيطان وتزيين النفس لأن النفس مدخلا في المعصية بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: